24 يونيو 1987 ، مدينة روزاريو الأرجنتينية شهدت ولادة طفل جديد لعائلة مكافحة ، رب الأسرة يعمل في أحد مصانع الحديد و الصلب ، وزوجته عاملة نظافة من وقت لآخر ، قبل هذا التاريخ كان لديهما من الأبناء رودريغو وماتياس ، والآن حل على الأسرة ضيف جديد ، أسموه ليونيل ! كل ذلك يبدو عادياً ، لكن ما بعد ذلك لم يكن عادياً أبداً ، فهذا الطفل الصغير سيشغل الدنيا لاحقاً ، مسطراً اسمه بحروف من ذهب في تاريخ كرة القدم.
بدأ هذا الطفل ممارسة كرة القدم في أحد الأندية المحلية في ضواحي روساريو اسمه جراندولي بعمر الخامسة ، كشافة الفريق الشهير نيويلز أولد بويز تلقفوه وضموه لفريقهم عام 1995 ، لعب وقتها لفريق الناشئين مواليد 1987 ، وفي الحقيقة كان لقبه وقتها "ماكينة ال87" !
بعمر ال11 سنة ، ظهرت مشكلة هرمونية لهذا الفتى منعت إدارة ريفر بليت من التعاقد معه ، حيث أن علاجه كان يتكلف حوالي 900$ شهرياً ، وجدها مسئولي الريفر كثيرة لطفل صغير قد يفشل في النهاية ، لكن المدير الرياضي لنادي برشلونة الإسباني قبل المغامرة وقرر الاعتناء بهذا الطفل وعلاجه على نفقة النادي ، سنوات قليلة بعد ذلك بات برشلونة يمتلك ليونيل ميسي !
تدرج الليو في مراحل مدرسة اللاماسيا سريعاً ، وأقنع المدرب الهولندي فرانك ريكارد مدرب الفريق الأول وقتها بأنه قادر على أن يجاور رونالدينهو وديكو وايتو ، فلعب مباراته الأولى بعمر ال17 سنة و 114 يوم فقط في ديربي كتالونيا أمام اسبانيول ، لتبدأ منذ تلك اللحظة مرحلة جديدة في كرة القدم ، مرحلة فيها ليو ميسي.
الموهبة الفطرية التي يمتلكها ميسي غير عادية أبداً ، ومن المنطقي أن نقول بأن الكرة تحبه أكثر مما يحبها هو ، قد يفسر لنا ذلك سبب هذا الالتصاق العجيب لها في قدمه اليسرى العجيبة ، ميسي لم يأخذ وقتاً كبيراً ليقنع الجميع بأن الأرجنتين باتت تمتلك مارادونا جديد ، لكنها نسخة محسنة تهتم بكرة القدم فقط بعيداً عن عالم المنشطات والمخدرات.
الأرقام والتاريخ لم تصمد كثيراً أمام سحر القدم اليسرى لهذا الفتى ، 10 سنوات تقريباً مع برشلونة كانت كافية لأن يصبح الرجل الأول لكل الأرقام ، ليس فقط في برشلونة وإنما في إسبانيا وأوروبا ، فبات الهداف التاريخي لناديه ، الهداف التاريخي لليجا الإسبانية ، الهداف التاريخي لدوري أبطال أوروبا ، وحتى الهداف التاريخي للكلاسيكو ، بالإضافة إلى أربع كرات ذهبية ، جلها أرقام صمدت لسنوات وعقود طويلة ، صمود انتهى بأقدام صاحب الرقم 10 ، لكن الأمور لا تقف عند هذا الحد ، فميسي ليس آلة لتسجيل الأهداف وكفى ، بلأ أنه آلة لا تهدأ ولا تتوقف عن إمتاع نفسها في المقام الأول ، عن إمتاع الجماهير بفواصل من المهارات والاختراقات والمراوغات ، وآلة لا تتوقف في كثير من الأحيان عن إحراج الخصوم مهما كان اسمهم ، بل وإهانتهم !
كرة القدم لها أيقوناتها المعروفة ، بيليه و مارادونا ، وكثيرون يعتبرون زين الدين زيدان ثالثهم ، ليو ميسي لا ينقص عن هؤلاء إلا بشيء واحد هو كأس العالم ، النقطة السوداء الوحيدة في مسيرة ميسي والتي كان قريباً في 2014 من تجاوزها ، الكل ينتظر أن يجلب ميسي الكأس الذهبية للأرجنتين كما فعل سلفه مارادونا ليأخذ مقعده كرابع عظماء التاريخ ، لكن المنطق والحقيقة تجبرنا على أن نقول بأن ميسي قد حجز هذا المقعد بالفعل حتى بدون المونديال ، وربما لو تمكن من الفوز به لأصبح منفرداً وحيداً في سماء الكرة.
الأكيد أن لكل جواد كبوة ، والأكيد أن ميسي ليس وحيداً في نجومية الكرة العالمية حالياً ، فهناك أيقونة أخرى اسمها كرستيانو رونالدو ، يستمر في منافسة ميسي وبكل قوة ، ولا يقل في إنجازاته وأرقامه كثيراً عن الليو ، لكن الاختلاف الأكبر بينهما يكمن في سر تفوق كل منهما ، رونالدو رجل مثابر لأبعد الحدود ، مجتهد و مقاتل ، فاستحق في أكثر من مرة أن يعترف الجميع بتفوقه على ميسي الذي بني أساس نجوميته على موهبة ربانية وضعت في قدميه ليبهر العالم بها.
هذا الصراع المستمر بين ميسي ورونالدو لن ينتهي إلا باعتزال الثنائي ، وزادت حدة الصراع من خلال تواجدهما في القطبين الإسبانيين الكبيرين ريال مدريد وبرشلونة ، وباتت المقارنات بينهما مادة دسمة لا توقف لها عبر القنوات التلفزيونية والمواقع الإلكترونية وصفحات التواصل الاجتماعي ، ومن الصعب أن تقنع مناصري أحدهما بأن الآخر يمتلك أفضلية على الآخر ، فكلاهما رمز لا يمس بالنسبة لمحبيه ، فلا المدريدي سيعترف بأفضلية ميسي ، ولا البرشلوني سيقول لك بأن رونالدو لا يعلى عليه ، هكذا هي الحياة !
لكن ، ومن يعرف كاتب هذا المقال سيشعر بالتعجب ربما لهذا الرأي ، الحقيقة أن النجمين يمثلان حالة خاصة جداً ربما لم تشهد كرة القدم مثيلاً لها من قبل ولن تشهد من بعد ، فما يقدمانه لم يكن يخطر على بال أحد ، لكن الواقع يقول بأن ميسي إذا كان في يومه ( كما شاهدنا أمام مانشستر سيتي ) فلا أحد يوقفه ولا أحد يمكن له أن يضاهيه ، محبي رونالدو عليهم أن يعوا ذلك ويتقبلوه بروح رياضية ، فالحديث هنا عن لاعبين لا أندية ، والفرق كبير وواضح !
صدفة أو مهارة مصور ، أعطتنا صورة لميسي وخلفه كلمة تظهر في لوحة إعلانية في الملعب مكتوب عليها "Priceless" أي لا يقدر بثمن ، صورة تعبر عن الواقع بالفعل ، وعذراً للخلل الفني ، فقد سقط مني حرف ال"هاء" في كتابتي للعنوان :
ميسي لا يساويه شيء ... لا يساويه شيء !

