غزة-أحمد الحاج أحمد
حقاً حين يريد الله أن يصطفي من عباده من يشاء فإنه يختار أحسنهم، فصباح الثالث عشر من شباط عام (2010), كان نهاية مبدع أعطى من روحه دفقاتٍ من الإبداع التي ستبقى خالدة للأبد، وعلامة فارقة على مستوى الصحافة الرياضية، حيث فقدت الحركة الرياضية الفلسطينية والإعلام الرياضي بشكل عام، ونحن في صحيفة الحياة الجديدة بشكل خاص، شاباً عزيزاً من أهم الكوادر الصحفية في قطاع غزة، إنه الزميل الصحفي عادل شحادة، الذي وافته المنية إثر نوبة قلبية حادة ألمّت به عن عمر ناهز (39) عام.
حياته
ولد عادل محمد شحادة بحي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة لعائلة مكافحة، والده كان يعمل في المجال الزراعي قبل أن يفتح حانوتاً قرب منزله، فيما كرست أمه حياتها لتربية أبنائها الخمسة حيث يتوسطهم عادل، وكريماتها الخمس، سبقته إحداهن إلى الرفيق الاعلى.
التحق عادل بمدارس وكالة الغوث الابتدائية والإعدادية، قبل أن يلتحق بمدرسة يافا الثانوية وحصل على الثانوية العامة عام (1987)، ثم حاول إكمال دراسته الجامعية خارج الوطن في ليبيا, ومرة أخرى داخله في الجامعة الإسلامية، إلا أن ظروفاً خاصة حالت دون إكماله للمرحلة الجامعية، لم يحصل على الشهادة ولكنه وظف موهبته وصقلها في المجال الإعلامي حيث يحب، في الصحافة الرياضية.
اشتهر عادل في الإعلام الرياضي، حيث كانت بدايته مع مجلة "فلسطين الرياضي"، التي انطلق منها إلى ميادين الكرة والصحافة الرياضية ولمع نجمه وذاع صيته من خلال صفحاتها، حيث أوصلته إبداعاته إلى العمل في صحيفة "الحياة الجديدة"، ليصبح بعدها اسماً لامعاً داخل أروقة المؤسسات الرياضية.
لم يتوقف طموحه عند تغطية البطولات المحلية، حيث نقل طموحات رياضيي شعبه في المحافل العربية والإقليمية، بعدما شارك في تغطية العديد من البطولات التي كان يشارك فيها منتخبنا لكرة القدم أو الرياضات الأخرى.
عادل متزوج من عائلة انشاصي –أم نسيم- ولديه أربعة أبناء وهم، نسيم وأسيل ولميس ورنيم–حفظهم الله ورعاهم-، حيث تركت الأم عملها وكرست جل وقتها لتربية أبنائها.
لا زلت أشم رائحته
حينما ذكر اسم ولدها فلذة كبدها، لا أدري كيف تسلل الدمع سريعاً من عينيها حسرة على فراق عادل، الذي كان بمثابة الابن البار دوماً لوالدته دائم التعلق بها، فلم يكن من السهل أن يأتي اليوم الذي تودعه فيه للأبد.
بدأت أم سهيل حديثها بأنها لا زالت تشم رائحته وترى طيفه في جميع أرجاء المنزل، في إخوانه، في أبنائه، موضحة أن عادل رحمه الله كان يتمتع بذكاء حاذق وسرعة بديهة وهو ما أدى إلى تألقه اللافت في عمله.
وأضافت، رغم أنه متزوج وخرج في بيت مستقل هو وزوجته وأبنائه، إلا أنه كان زيارته لي لا تكاد تنقطع صباح مساء، فابتسمت قائلة: كان دائم الحديث عن الرياضة في الجلسات العائلية، لم يكن يفارق معشوقته أبداً من الملاعب لعمله إلى التلفاز لمشاهدة المباريات العربية والعالمية، كان يحب عمله جداً.
كرة القدم معشوقته
يقول والد المرحوم بإذن الله، إن عادل منذ نعومة أظافره كانت الكرة رفيقته، ورغم ذلك كان متفوقاً في دراسته ودخل المجال العلمي الذي يحب، إلا أنه لم يستطع إكمال مسيرته العلمية والحصول على الشهادة الجامعية.
وأشار أبو سهيل إلى أن عادل كان الأنجب بين إخوانه، وبعد جد واجتهاد استطاع الوصول إلى حيث يريد وتألق في عمله في المجال الإعلامي بشكل لافت، حيث كان اسمه لامعاً, ولم ندرك أنه لذلك الحد الا حينما رأينا الوفود التي أتت يوم جنازته من كل حدب وصوب.
أب حنون، وأم صابرة
أم نسيم هي الأكثر حزناً على فراق زوجها رفيق دربها، كونها ترى كل يوم حنين أبنائها لوالدهم في عيونهم، فعادل كان حنوناً للغاية ومحباً بشكل كبير للأطفال، كل الأطفال، فهي تقول أن تعلق أبنائها كان بوالدهم أكثر من أمهم، موضحة أنه كان يقوم بكل ما يطلبونه دون أن تفعل هي أي شيء، مؤكدة أنه كان يخاف عليهم لدرجة كبيرة جداً، حتى أني حين شاهدته لحظة الوفاة كان يحتضن ابنتنا الصغرى رنيم.
وأكملت، كان أول أهدافه في الحياة أن يوفر لأبنائه مسكناً آمناً، حيث كل أحلامه كانت تتبلور في بيت صغير يجمع فيه عائلته يملأه الحب والاستقرار، حيث ودع أسرته مبكراً قبل أن يحقق هدفه الذي أرهق كاهل زوجته بعدما تنقلت إلى منزل آخر تعيش فيه مع أبنائها بالإيجار.
حتى شقيقها أحمد كان له نصيب من مسامرات عادل، فيقول باستغراب، كان يلعب مع أطفاله ويتحدث معنا، وهو أصلاً جل تركيزه أيضاً مع المباراة، كان ما شاء الله عليه، حيث أن شقيق زوجته كان له نصيب من الجلسات الشبابية التي كان يعقدها عادل في بيت أهله أغلب الأيام حينما يجمع أصدقاءه لمشاهدة مباراة أو لعب هواية معينة.
أحتاجه بجانبي
نسيم، الابن الأكبر لعادل، لم يكن الحديث سهلاً مع من رافق أباه أينما حل، وكان له نصيب كبير من الوقت الذي شاركه والده إياه، فحينما بدأت الحديث مع والدته عن أبيه, التزم الصمت وبدا شارد الذهن يقلب في صور عادل التي جاءت بها ابنته الصغرى حتى تطلعنا على القليل من حياة أبيها.
لا طعم للحياة الآن، أحتاجه بجانبي في هذه الفترة بالذات كوني أصبحت شاباً، الحياة أصعب بكثير مما تتخيل، بهذه الكلمات بدأ نسيم حديثه بصوته الحزين، فهو الآن بمنزلة أبيه كونه الأكبر بين شقيقاته البنات، ما يلقي عليه مسئوليات كبيرة، مستطرداً، والدي أورثني عشقه للرياضة وبت أتابع وأشجع ما كان أبي يشجعه لا سيما نادي الزمالك المصري.
في هذه اللحظات، كانت أسيل ولميس ورنيم يستمعن للحديث عن والدهن بابتسامة رقيقة طفت على شفاههن، حين تطرقت الوالدة للحديث عن ذكرياتهم مع عادل, وكيف كان يعاملهم وكيف كان حبهم متبادلا، حتى أن أم نسيم اعترفت أن أبناءها كانوا يحبون أباهم أكثر منها بشكل ملفت.
قالوا عنه
إبراهيم أبو سليم نائب رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، "عادل كان من أبرز الإعلاميين الموجودين، وغيابه خسارة كبيرة للإعلام الرياضي، وسنعمل في الاتحاد ما بوسعنا لتخليد ذكراه تقديراً لجهوده المثابرة، ولكل من أعطى الرياضة جهداً وعطاء، ندعوا له بالرحمة ولأهله السلوان".
وليد أيوب نائب رئيس اللجنة الأولمبية، "كان عادل مثالاً حقيقياً للإعلامي البارز، الذي قدم للرياضة أنموذجاً طيباً، وآمن بصدق مهنته وأعطاها كل وقته، وكان يتميز بصراحته وهدوءه، وأسلوبه المميز في صياغة الخبر والحصول على المعلومة من مصدرها بأسلوب مؤدب وراق، وفقدانه يمثل خسارة كبيرة للإعلام الرياضي الفلسطيني، ونسأل الله أن يلهم ذويه الصبر والسلوان".
نعيم السويركي مدرب اتحاد الشجاعية، "كان عادل إنساناً رائعاً في أخلاقه ومعاملته للآخرين وإعلامياً متميزاً مجتهداً، نال ثقة الجميع نظراً لمصداقيته وصراحته، كان وديعاً صادقاً وصفحة بيضاء أمام الجميع، ومن طيبته يثق بالجميع دون تمييز مما سبب له الكثير من الأزمات، وسيكون لغيابه أثر واضح على الساحة الرياضية".
حسين عليان من رابطة الصحفيين الرياضيين، "عملت مع عادل في بلاط صاحبة الجلالة، فكان يتمتع بكل ما يؤهل الصحفي الإعلامي والإنسان من مواصفات وضعت له اسماً في مقدمة الصحفيين الرياضيين المسجلين في الرابطة، التي كم وضعت فيه الثقة لمرافقة منتخباتنا خارجاً".
ختاماً
كشفت كتابات عادل الصحفية عن كاتب يحمل رسالة الكلمة ويقدر المضمون الذي يحمله، كما كشفت عن موسوعة رياضية قل أن نجد له نظيراً في الساحة الإعلامية الرياضية، رحم الله عادل الذي شكل إضافة جديدة للصحافة والكتابة والإبداع، وسيبقى لسنوات قادمة عصياً على النسيان، بما خلفه من آثار لا تزال فينا ما حيينا.
فالذين عرفوا عادلاً عن قرب، وعايشوا تجربته الصحفية، يدركون جيداً أكثر من غيرهم، أنه كان من القلائل الذين لم يأخذوا من المهنة بقدر ما أعطوها. اليوم حينما تمر ذكراه الخامسة، لن نتذكره كصديق أو زميل، بل كقيمة إنسانية ومهنية تؤكدها كتاباته، وهي أن الزبد يذهب جفاء وما ينفع الناس يمكث في الأرض، وسوف تتذكره الأجيال المتلاحقة جيلاً بعد جيل.
يرحل الكثيرون ولا يتركون أثراً، ويرحل عادل وهو الساكن فينا، الذي ترك خلفه إرثاً للرياضة الفلسطينية ومنهجاً يسير عليه الإعلام الرياضي.






