المستطيل الرملي لا يخون أحلامنا
رياض.. طفلٌ يراوغ الفقد في مخيمات النزوح بقطاع غزة
تقرير – أحمد خليل حرب
بحذاءٍ تآكلت جوانبه تماماً وتحوّل لونه الأصلي إلى رماد الغبار، يراوغ الطفل رياض (13 عاماً) مرارة الفقد وضجيج الطائرات في مخيمات النزوح بقطاع غزة. تحت سقف خيمة قماشية رثة تتأرجح مع هبات الريح، يجلس الصغير يشدّ خيط حذائه الرياضي الممزق بعناية؛ فهذا الكساء المستهلك ليس مجرد قطعة ثياب عابرة، بل هو جواز سفره الشرعي والوحيد للعبور من واقع اللجوء المرير إلى عالم سحري متسع، لا يملكه أحد سواه، ويتسع لأحلامه الكبيرة.
عند عتبة الخيمة الضيقة، تجلس عمته "أم أحمد" والوجوم يكسو ملامحها الشابة التي أثقلتها الهموم مبكراً. تحاول تقليب بضع أرغفة من خبز الصاج فوق موقد حطبي صغير أشعلته في الممر المكشوف بين الخيام، متفادية الدخان المتصاعد في الفضاء. تتأمل ابن أخيها بصمت طويل؛ صمت يمتزج فيه الأسى العميق على شقيقها الراحل، بالفخر المكتوم بصمود هذا الغلام.
تقول عمته بنبرة هادئة حزينة: "بعد استشهاد والده أثناء عمله بمعسكر الشاطئ، انطفأ الصبي تماماً؛ تحول إلى جسد بلا روح، يجلس بالساعات يتأمل العتمة دون كلام. تلاشت ضحكته، وكنت أخشى أن يقتله الحزن. الكرة وحدها أعادت الروح لجسده النحيل، وكلما رأيته يركض في الملعب الرملي، أرى فيه ملامح والده وشبابه الذي سرقته الحرب بغتة".
من أزقة معسكر الشاطئ إلى عتمة الفقد
قبل نحو عامين، لم تكن هذه الخيمة موطناً لرياض، كانت عائلته تعيش حياة هادئة، دافئة في أزقة مخيم معسكر الشاطئ، غرب مدينة غزة. في ذلك البيت القديم، كان رياض يملك سريراً خاصاً، وغرفة مطلية باللون الأزرق لحبه لنادي خدمات الشاطئ، علق عليها صوراً لنجوم كرة القدم العالميين. وكان يملك أباً حنوناً، يقف على أطراف ساحة المخيم يصفق له بحرارة كلما أحرز هدفاً. ويحلم بأن يراه يرتدي قميص المنتخب الوطني يوماً ما.
تبدل كل شيء في ليلة واحدة؛ سقطت القذائف لتدمر المربع السكني بالكامل. استيقظ رياض وسط غبار خانق وركام متناثر ليجد أنه لم يفقد بيته وغرفته فحسب، بل فقد والده ووالدته في غارات متفرقة. نجا الصبي بجسده، لكن روحه بقيت عالقة وسط أصوات الانفجارات وصرخات الوداع التي لم تغادر مسامعه.
خامسة فجراً: طوابير المياه الشاقة تسبق صافرة التدريب
بدأت رحلة التيه والنزوح القسري برفقة عمته الشابة بين مدارس "الأونروا" المكتظة حتى انتهى بهما المطاف في مخيمات النزوح المؤقتة المقامة فوق ركام معسكر الشاطئ غرب مدينة غزة. في هذا المكان، عاش الصبي مرارة التشرد، وعرف معنى الجوع والخوف والانتظار الطويل الذي لا ينتهي في طوابير المياه الطويلة تحت أشعة الشمس الحارقة أو في برد الشتاء القارس.
يبدأ يوم رياض في تمام الساعة الخامسة فجراً. يجر قدميه النحيفتين في ممرات المخيم الطينية الموحلة، حاملاً جالونين بلاستيكيين لحجز مكان للحصول على الماء المحلى. يساعد عمته في تقليب الحطب تحت أرغفة الخبز. كل هذا التعب الجسدي يتبدد في تمام الساعة الرابعة عصراً؛ حين يحين موعد التدريبات التي تنسيه تعب هذا الأيام وصعوبتها.
طوق نجاة عبر شاشة هاتف
وسط العزلة القاتلة التي فرضها الفقد على رياض، كان الجسر الوحيد المتبقي نحو الحياة يمر عبر شاشة هاتف محمول. في إحدى الليالي، وبينما كانت عمته تتصفح منصات التواصل الاجتماعي مستعينة ببيانات إنترنت ضعيفة ومتقطعة، صادفت رابطاً لإعلان يفتح باب التسجيل في "أكاديمية أمل المستقبل للأيتام". كانت المبادرة نداءً رياضياً ونفسياً أطلقته كوادر محلية متطوعة لاحتضان الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم.
سجلت العمة اسم رياض فوراً، ومع قبول انضمامه واصطحابه إلى الحصة التدريبية الأولى، التقط المدربون بسرعة موهبة فطرية نادرة تختبئ في قدميه النحيفتين، لتبدأ رحلة خروج الصغير من عتمة الانكفاء.
تشير الاحصائيات الصادرة عن اللجنة الأولمبية الفلسطينية والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم بأن 85% من المنشآت الرياضية في القطاع تم تدميرها، وهذا جعل عملية إعداد الملعب إلى قصة صمود بحد ذاتها؛ إذ قام المدربون والأطفال بتمهيد بقعة الأرض الرملية المجاورة للخيام بأيديهم، وأزالوا الشظايا والركام المستدق، مستعينين بمسحوق الدقيق التالف لرسم خطوط التماس ومنطقة الجزاء. وسط هذا الشح، تبدو أوتاد الخيام وحبالها المهترئة بمثابة خطوط دفاعية بديلة في ملعب يفتقر لأبسط الممرات الآمنة لإدخال المعدات الرياضية."
ويقول الكابتن مازن المدهون، أحد المدربين المتطوعين بالأكاديمية: "لم يكن تأسيس الأكاديمية سهلاً على الإطلاق، وإننا كافحنا لتأمين بعض الكرات للتدريبات ومع ذلك نحن لا ندربهم ليفوزوا بكأس، نحن نرمم أرواحاً كسرها الفقد. الملعب هنا هو العيادة النفسية الوحيدة المتاحة لهم وسط حصار مطبق يمنع دخول أبسط المعدات الرياضية، لدرجة أننا نعتمد على كرات قديمة يتقاسمها عشرات الأطفال".
تحول المستطيل الرملي المحاط بالخيام والأسلاك الشائكة إلى موطن رياض البديل؛ صار يلتزم بالتدريبات بكل جدية، ويجتهد في إنهاء واجباته اليومية وشؤون الخيمة الشاقة ليفوز بحق النزول للملعب. يقول رياض: "في الملعب أركض مع أصدقائي وننسى الخسارة سريعاً. عندما أركض خلف الكرة بكل قوتي، أنسى تماماً صوت الطائرات والانفجارات. أشعر في تلك اللحظات أن أبي يراقبني مبتسماً ويشجعني. الأكاديمية والكرة هما الشيء الوحيد الذي لا يخونني في هذا العالم".
مأساة جيل وأرقام صادمة
قصة رياض ليست قصة معزولة، بل هي واجهة مأساوية لواقع يعيشه جيل كامل من الأطفال في قطاع غزة، ورغم خصوصية وجع رياض، إلا أن قصته ليست سوى رقم واحد في قائمة ممتدة فوفقاً للتقارير الدورية لوزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية الصادر في أكتوبر 2026، فإن إجمالي عدد الأطفال الأيتام في قطاع غزة ارتفع ليبلغ أكثر من 71 ألف يتيم، من بينهم 54,468 طفلاً فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الأزمة المستمرة. وسجلت التقارير أن محافظة غزة (التي يتبع لها معسكر الشاطئ) سجلت النسبة الأكبر من هؤلاء الأطفال بنسبة تجاوزت 32% من إجمالي الأيتام.
وفقاً لتصنيفات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، يمثل هذا الواقع واحدة من أعقد أزمات رعاية الأيتام في التاريخ الحديث. وتوضح التقارير الأممية أن التحدي يتجاوز غياب المعيل الاقتصادي؛ إذ يرتبط مباشرة بمؤشرات الفقر المدقع، والحرمان الكامل من التعليم إثر تدمير البنية التحتية للمدارس، فضلاً عن الصدمات النفسية المركبة الناتجة عن متلازمة النزوح المتكرر."
هذا الشغف النفسي يصطدم بكارثة بيولوجية؛ حيث تشير تقارير "التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي (IPC)" التابع للأمم المتحدة إلى تفشي سوء التغذية الحاد والمجاعة الصامتة في مناطق غزة وشمالها. وتؤكد تقارير منظمة الصحة العالمية (WHO) أن القدرة البدنية لهؤلاء الأطفال على الركض ومداعبة الكرة خلف الخيام في ظل هذا النقص العضلي الشديد تعد أشبه بـ "معجزة فيزيائية وبيولوجية" يتفوق فيها الحافز النفسي على الضعف الجسدي، وهذا ما يحدث مع رياض الذي يعتمد الذي يفتقر غذاؤه اليومي للبروتينات، ويركض في الحصة التدريبية ما يزيد عن 5 كيلومترات
هذا التكدس الصادم للأرقام يفسره الخبراء من منظور مختلف؛ حيث يرى الدكتور حمزة حرب، المتخصص في الصدمات النفسية لدى الأطفال في مناطق النزاع، أن ما يمر به رياض هو آلية دفاعية فطرية. ويضيف: "الصدمات المركبة الناتجة عن فقدان الوالدين والنزوح المتكرر تؤدي إلى الانكفاء النفسي أو التجمد العاطفي، وهنا تبرز أهمية (العلاج باللعب). الحركة وركل الكرة يحفزان الجهاز العصبي على الخروج من حالة التجمد، ويمنحان الطفل شعوراً مؤقتاً بالسيطرة على جسده ومحيطه، وهو أول خيط في رحلة التعافي".
أقدام حافية تضع شعارات 'الفيفا' تحت المساءلة
في البطولات المحلية المصغرة التي تنظمها الأكاديمية -التي نجحت في احتضان أكثر من 170 طفلاً يتيماً حتى الآن- صار اسم "رياض" يتردد بقوة بين ألسنة النازحين. يراوغ بخفة، ويممر بدقة، ويسجل الأهداف ليركض نحو زاوية الملعب شاخصاً ببصره نحو السماء ورافعاً يديه الصغيرتين بالترحم على والديه وسط هتافات الصغار والكبار الذين وجدوا في سحر قدميه متنفساً من واقعهم الخانق.
تضع قصة رياض وزملائه شعارات الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) حول "حق اللعب للجميع" على محك المساءلة الحقيقية؛ فرغم غياب الرد والتحرك اللوجستي الدولي حتى اليوم، يصر هؤلاء الأطفال بأقدامهم الحافية على انتزاع ما نصت عليه المادة 31 من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، والتي تكفل لهم الحق في اللعب والاستجمام. هم لا يركضون خلف الكرة للتسلية فحسب، بل يرسلون بأقدامهم رسالة صامتة ومدوية: أن رمل المخيم الذي يحتضن أحلامهم اليوم، قد يكون منطلقاً لأقدام تطير غداً نحو الملاعب الدولية الشاسعة.
مع مغيب الشمس، ينفض الأطفال من المستطيل الرملي. يعود رياض إلى الخيمة المعتمة، يخلع حذاءه الرمادي الممزق، ويمسح عنه الرمل برفق. تراقبه عمته أم أحمد وهي تطفئ نار الصاج، وتهمس: 'في كل ركلة يطلقها هذا الصغير، أرى وطناً يرفض أن يموت'. ينام رياض وفي مخيلته عشبٌ أخضر، وصوت والده يأتيه من خلف الغيم: 'أحسنت يا بطل'."







