رياضة فلسطينية عرض الخبر

«كرة القدم لمبتوري الأطراف».. حكاية نجوم هزمتهم الحرب جسديًا، لكنهم تفوقوا بالعزيمة والإصرار

2026/11/01 الساعة 05:43 م

حين تعجز الأطراف عن مواصلة المشوار.. تواصل الإرادة الركض نحو الحلم

«كرة القدم لمبتوري الأطراف».. حكاية نجوم هزمتهم الحرب جسديًا، لكنهم تفوقوا بالعزيمة والإصرار

غزة – كتب: إيهاب أبو الخير

ألقت الحرب على قطاع غزة بظلالها على كافة مناحي الحياة، ودمّرت الأخضر واليابس، ولم تُبقِ على حجر أو شجر أو بشر إلا ونالت منه. وكان الوسط الرياضي حاضرًا بقوة في مشهد الدمار، الذي طال البنية التحتية والملاعب، وامتد ليشمل الكوادر الرياضية من مدربين ولاعبين.

فلم تكن الحرب بالنسبة إلى بعض لاعبي كرة القدم مجرد خسارة منزل، أو ملعب، أو نادٍ، أو فرصة للعيش بسلام، بل كانت لحظة فاصلة انتزعت منهم جزءًا من أجسادهم، وكادت أن تنتزع أحلامهم أيضًا. هناك، حيث تحوّلت الملاعب إلى ذكريات، وأصبحت الرياضة، وتحديدًا كرة القدم، حلمًا بعيد المنال، وجد عدد من الشبان أنفسهم أمام واقع قاسٍ: أطراف مبتورة، وأحلام مؤجلة، ومستقبل لم يعد يشبه ما رسموه في مخيلتهم من آمال وأحلام كبيرة.

كانوا يحلمون بارتداء قميص المنتخب الوطني، والوقوف في الملعب تحت راية الوطن، وترديد النشيد الوطني قبل انطلاق المباريات. كانوا يتخيلون لحظة تمثيل فلسطين، لكن الحرب باغتتهم وغيّرت مسار حياتهم، ففقد بعضهم ساقًا أو يدًا، وفقد آخرون القدرة على ممارسة كرة القدم بالطريقة التي اعتادوا عليها قبل الحرب.

ورغم ذلك، لم يمت الحلم، ولم تكن الإصابة نهاية الحكاية. فمن بين ركام الألم، وُلدت حكاية جديدة، عنوانها أن الإنسان قد يخسر جزءًا من جسده، لكنه لا يخسر بالضرورة قدرته على الحلم، ولا حقه في المنافسة، ولا شغفه بالحياة.

من غزة إلى العالم.. لا للمستحيل

في قطاع غزة، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تتنافس فيها الفرق على تسجيل الأهداف، بل أصبحت مساحة لاستعادة الحياة والأمل، ووسيلة لمواجهة الألم، ورسالة يوجّهها لاعبون فقدوا أطرافهم إلى العالم، مفادها أن الحرب قد تغيّر شكل الجسد، لكنها لا تستطيع مصادرة الإرادة والطموح.

على عكازاتهم، وبخطوات تحتاج إلى توازن وصبر، عاد هؤلاء النجوم إلى المستطيل الأخضر. لم تكن العودة سهلة؛ فكل حركة كانت تحتاج إلى تدريب، وكل سقوط كان اختبارًا جديدًا، وكل إصابة سابقة كانت تذكيرًا بما فقدوه. لكنهم اختاروا ألا يكونوا أسرى للواقع، بل أن يصنعوا واقعًا جديدًا بأيديهم وإرادتهم.

ولم تكن هذه التجربة وليدة اللحظة؛ فقد شهد قطاع غزة، منذ سنوات، تأسيس فرق لكرة القدم لمبتوري الأطراف، وبدأت التجربة تتوسع لتمنح عشرات الشباب الذين تضرروا جسديًا بفعل الحرب فرصة العودة إلى الرياضة. وفي عام 2019، وثّقت اللجنة الدولية للصليب الأحمر تجربة لاعبين فقدوا أطرافهم، وكيف تحولت كرة القدم إلى وسيلة للتعافي النفسي والجسدي واستعادة الثقة بالنفس.

واليوم، تتجدد هذه الحكاية بصورة أكثر إيلامًا وإلهامًا، في ظل ما خلّفته الحرب على قطاع غزة من إصابات وحالات بتر للأطراف؛ إذ انضم لاعبون جدد إلى هذه التجربة، بعضهم كان يطمح إلى تمثيل المنتخب الفلسطيني لكرة القدم، لكن الإصابة بدّلت أحلامه، فتحوّل من لاعب يسعى إلى الاحتراف إلى إنسان يتعلم من جديد كيف يقف ويمشي ويركل الكرة.

وقد برزت هذه الروح في بطولة «غزة الإرادة» لكرة القدم لمبتوري الأطراف، التي أقيمت في قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، بمشاركة لاعبين فقدوا أطرافهم خلال الحروب، في مشهد أعاد التأكيد على أن الرياضة قادرة على منح الإنسان بداية جديدة. وقد سعدت بالتواجد في هذه البطولة بصفتي أحد أعضاء اللجنة المنظمة، حيث كان من بين المشاركين نجوم ولاعبون فقدوا أطرافهم، لكن عزيمتهم بقيت حاضرة، ولم تنل منها الحرب.

بيب جوارديولا.. حين تصل رسالة الإرادة إلى قمة كرة القدم

ولعل واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في مسيرة هؤلاء النجوم كانت وصول حكايتهم إلى المدرب الإسباني العالمي بيب جوارديولا، المدير الفني السابق لنادي مانشستر سيتي الإنجليزي، الذي لم يكن اسمه بالنسبة إليهم مجرد اسم لمدرب حقق البطولات والألقاب، بل أصبح رمزًا رياضيًا وإنسانيًا ارتبط بمواقفه المعلنة تجاه معاناة المدنيين في مناطق النزاع، ومن بينهم أطفال فلسطين.

ففي الخامس من فبراير/شباط 2026، أعلن فريق «غزة الإرادة» لكرة القدم لمبتوري الأطراف اختياره جوارديولا مدربًا شرفيًا للفريق، تكريمًا لمواقفه الإنسانية وتضامنه مع الفلسطينيين، وتعبيرًا عن تقدير اللاعبين لشخصية رياضية عالمية لم تكتفِ بحضورها في الملاعب، بل استخدمت صوتها للحديث عن معاناة الإنسان.

ولم تتوقف الحكاية عند التكريم الرمزي؛ ففي 13 فبراير/شباط 2026، وصلت إلى الفريق لفتة خاصة من جوارديولا، تمثلت في توقيعه على قمصان المنتخب الفلسطيني، في رسالة دعم حملت قيمة معنوية كبيرة للاعبين. واستقبل أعضاء الفريق هذه الخطوة بفرح واعتزاز، معتبرين أن توقيعه على القمصان ليس مجرد توقيع رياضي، بل رسالة تقدير لأشخاص تحدّوا الإصابة والحرب وتمسكوا بأحلامهم.

الحلم الذي لم تستطع الحرب بتره

إن قصة لاعبي كرة القدم لمبتوري الأطراف في غزة ليست مجرد قصة رياضية عن فريق يخوض المباريات مستخدمًا العكازات، بل هي حكاية جيل سُرقت منه أشياء كثيرة، لكنه رفض أن يسمح للظروف بسرقة ما تبقى من أحلامه.

فهؤلاء اللاعبون لا يطلبون الشفقة، ولا يريدون أن يُنظر إليهم باعتبارهم أشخاصًا عاجزين؛ إنهم يريدون أن يُعاملوا كرياضيين، وأن يحصلوا على فرص التدريب والتأهيل والمشاركة، وأن يجدوا من يوفر لهم الملاعب والمعدات والعكازات الرياضية والدعم اللازم للمنافسة محليًا ودوليًا.

لقد علمونا أن البطولة لا تُقاس بعدد الأهداف وحده، ولا بعدد الكؤوس والميداليات، بل بقدرة الإنسان على النهوض بعد السقوط، والعودة إلى الحياة بعد الألم، والإصرار على مواصلة الطريق مهما كانت العوائق.

ربما لم يتمكنوا من تحقيق أحلامهم القديمة بالطريقة التي تخيلوها، وربما لن تعود بعض الأيام التي عاشوها قبل الحرب، لكنهم صنعوا لأنفسهم حلمًا جديدًا، وأصبحوا عنوانًا لمرحلة مختلفة من الرياضة الفلسطينية.

لقد فقدوا أطرافًا، لكنهم لم يفقدوا أحلامهم.. وربما كان أعظم أهدافهم حتى الآن أنهم لم يسمحوا لليأس بأن يسجل في مرماهم.

فخور بكم وبمشاركتكم في بطولة نوعية، وقد تيقنت تمامًا أن الإصرار والعزيمة اللذين تمتلكونهما قادران على تحدي الجبال، رغم الألم والفقد الكبير.