رياضة فلسطينية عرض الخبر

أهداف خلف الركام

2026/10/24 الساعة 06:49 م

أهداف خلف الركام


كتب/ أحمد خليل حرب

قطاعُ غزة، تلك البقعة من العالم تكاد تفقد تفاصيلها تحت وطأة حرب مدمرة لا تتوقف، حتى تحولت إلى مسرح لأكبر أزمة شهدها التاريخ المعاصر، حيث تتبدل التضاريس بين ليلة وضحاها بفعل القصف والدمار، ورغم هذا القتامة، يرفض أطفال قطاع غزة أن تُسلب منهم طفولتهم أو يوضع لآمالهم سقف. فبين الأزقة الضيقة المخنوقة بالغبار، والساحات المفتوحة التي تحيط بها أبنية متصدعة شاهدة على فظاعة الفقد، يرتفع صوت مألوف يكسر صمت الحزن المطبق الممزوج بضجيج الطائرات؛ إنه صوت ارتطام كرة القدم بالأقدام العارية، يرافقه هتاف صغير بعزيمة الكبار يعلن عن تسجيل هدف. 

يركض هؤلاء الأطفال بهمة لا تعرف التراجع، إنهم ليسوا مجرد لاعبين هواة يبحثون عن تمضية الوقت، بل هم أطفال غزة الذين فقدوا آباءهم وأمهاتهم وأمانهم، لكنهم وجدوا في المستديرة الساحرة ملاذاً يعيد لقلوبهم النبض، ووسيلة يثبتون من خلالها للعالم أجمع أنهم أحياء، وأن في الصدور طاقات تتحدى الفناء.

لقد خلفت الحروب المتعاقبة والمستمرة في قطاع غزة آلاف الأيتام، صغارٌ وجدوا أنفسهم فجأة وبلا مقدمات يواجهون قسوة الحياة والنزوح دون السند الأكبر، معاناة تتجاوز حدود الوصف الإنساني عند النظر إلى الأرقام الصادمة التي توثق حجم الفاجعة؛ فوفقاً للبيانات الرسمية الصادرة في يوليو 2026 عن وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية والمنظومة الوطنية للأيتام بلغ إجمالي عدد الأيتام في قطاع غزة أكثر من 70 ألفِ يتيمٍ، من بينهم أكثر من 55 ألفِ طفلٍ فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب الأخيرة وحدها.

في هذه الظروف البالغة التعقيد، حيث تغيب مقومات الحياة الأساسية من مأكل وأمان وتعليم، ويخيم الخوف من الغد المجهول، تبرز كرة القدم لا كمجرد لعبة، بل هي وسيلة فريدة للتعبير عن الذات، وهي حق كفلته المواثيق الدولية وقوانين حقوق الإنسان، وتنص المادة (31) من اتفاقية الأمم المتحدة حقوق الطفل على اعتراف الدول الأطراف "بحق الطفل في الراحة ووقت الفراغ، ومزاولة الألعاب وأنشطة الاستجمام المناسبة لسنه". وعندما تحرم الحرب هؤلاء الأطفال من هذا الحق القانوني، فإن ممارستهم للعبة فوق الركام تصبح شكلاً من أشكال المقاومة الإنسانية لاسترداد طفولتهم المسلوبة.

لم تعد كرة القدم بالنسبة لهؤلاء الأيتام مجرد تسلية عابرة أو نشاط رياضي عشوائي لتمضية الوقت، بل تحولت في واقعهم المأساوي إلى طوق نجاة حقيقي ومساحة شاسعة للحرية والانعتاق من أسر الواقع، وعندما يركض الطفل وراء الكُرة بنظرات حادة وتركيز كامل، فإنه يتخفف لثوانٍ ودقائق معدودة من ثقل اليتم، ومن ذكريات الفقد الأليمة التي تطارده في أحلامه.

يقول رياض (13 عاماً)، وهو طفل يتيم فقد والديه في غارة استهدفت منزلهم بمخيم الشاطئ، وعيناه تلمعان بكبرياء لافت: "حين تلمس قدمي الكرة، أشعر أنني أقوى من الخوف، وأني ما زلت قادراً على الركض نحو غدٍ يشبهني". على المستطيل الأخضر وبجوار الخيام، تختفي كل الألقاب القاسية والنعوت التي فرضتها الحرب مثل "يتيم" أو "نازح" أو "مشرد"، وتصبح الكلمة العليا فقط للمهارة الفردية، والتعاون الجماعي، والشغف المشترك.

أما الكابتن محمود أبو حصيرة، أحد المدربين والمشرفين في الأكاديمية يقول "نحن نعمل بأقل الممكن، فالملعب هو ساحة ترابية بين الخيام، والمعدات شحيحة للغاية، لكن إصرار هؤلاء الأيتام يمدنا بالقوة. في كل حصة تدريبية، نرى كيف تتحول نظرات الحزن في عيونهم إلى بريق تحدٍ وإرادة ترفض الاستسلام للواقع القاسي".

من رحم هذه المعاناة الإنسانية العميقة، ومن وسط الخيام والبيوت المهدمة، لم تبقَ هذه الجهود الفردية للأطفال حائرة بلا رعاية؛ إذ تنبهت الإرادة المجتمعية والمدربون المحليون، الذين عانوا بدورهم من مرارة الفقد، إلى ضرورة تأطير هذا الشغف العارم. من هنا، ولدت فكرة تأسيس أكاديميات رياضية متخصصة لرعاية وتدريب الأطفال الأيتام في قطاع غزة، مثل أكاديمية أمل المستقبل للأيتام التابعة لنادي خدمات الشاطئ، وأكاديمية الوفاء. تأسست هذه الأكاديميات بإمكانات شحيحة تكاد تكون معدومة، وفي ظل ظروف لوجستية وأمنية معقدة، لكنها حملت رسالة سامية: تحويل موهبة اليتيم من مجرد رغبة في اللعب في الشارع إلى مسار رياضي واعد ومدروس.

استخدم القائمون على هذه المبادرات المساحات المتاحة في المخيمات، والساحات الترابية القريبة من مراكز الإيواء، وحولوها إلى قاعات تدريب مفتوحة تحت السماء. لم يكن الهدف من هذه الأكاديميات بناء لاعبين محترفين بدنياً وفنياً فحسب، بل ركزت برامجها بشكل أساسي على الدعم النفسي والاجتماعي الشامل؛ حيث يمنح الطفل حصة تدريبية في تكتيكات اللعب، تليها بطولات رياضية ودوريات مصغرة للأيتام ليتنافسوا في أجواء يغمرها الفرح والتحدي، ثم تختتم بجلسة تفريغ نفسي وتوجيه سلوكي يشرف عليها أخصائيون متطوعون. إنها منظومة متكاملة تسعى لترميم ما هدمته الحرب في نفوس الأطفال، وإشعارهم بأنهم جزء من كيان رياضي يحترم طاقاتهم.

إن استمرار الأكاديميات الرياضية للأيتام في قطاع غزة أضحى اليوم مهدداً أكثر من أي وقت مضى بسبب اشتداد الحصار، ونفاد المواد الأساسية، واستهداف المنشآت الرياضية البسيطة. يحتاج هؤلاء الصغار إلى التفاتة حقيقية وجادة من الهيئات الرياضية الدولية، وفي مقدمتها الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، والاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، والمنظمات الإنسانية المعنية بالطفولة كمنظمة اليونيسف، لتبني هذه المواهب، ودعم أكاديمياتهم بالمعدات، وتوفير بيئة آمنة تضمن لهم حقهم الطبيعي والشرعي في اللعب والنمو بسلام.

إن هؤلاء الأطفال لا يرسلون بضربات كراتهم مجرد أهداف في شباك وهمية، بل يرسلون رسالة صامتة ومدوية في آن واحد إلى المجتمع الدولي بأسره، مفادها: "نحن هنا، لسنا مجرد أرقام في إحصائيات الضحايا، نحن بشر نستحق الحياة، ونملك أحلاماً تتسع للعالم". إن قصة أيتام غزة مع معشوقتهم المستديرة، وتأسيس أكاديمياتهم وسط الركام، هي وثيقة تاريخية على انتصار إرادة الحياة؛ فهم لا يطاردون كرة من جلد فحسب، بل يستردون طفولتهم المسلوبة ويبحثون عن غدٍ أكثر عدلاً.

ختاماً، ستبقى كرة القدم في غزة أكثر من مجرد تسعين دقيقة من الركض؛ إنها نبض الحياة الذي يقاوم التوقف، وصرخة الطفولة التي ترفض الانكسار. كل هدف يُسجل خلف الركام هو إعلان صريح بأن الأمل لا يمكن دفنه تحت الأنقاض، وأن أقدام هؤلاء الأيتام العارية قادرة على صياغة مستقبل جديد، يركضون فيه نحو الحرية والسلام دون خوف من طائرة تقصف أحلامهم، لتظل الساحرة المستديرة دائماً نافذة مشرعة نحو الأمل والحياة، لا مجرد هروب مؤقت من واقع ملؤه الألم والدموع.