الرياضية أون لاين : غزة/كتب حسام الغرباوي
لم يكن قرار الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم إعادة استئناف الأنشطة الرياضية قراراً عادياً في توقيته ودلالاته، بل جاء كرسالة واضحة بأن الرياضة الفلسطينية، رغم كل ما تعرضت له من استهداف وتدمير ومحاولات لإيقاف مسيرتها، ما زالت تمتلك القدرة على النهوض والعودة إلى الميدان.
بعد ثلاثة أعوام من الصمت القسري الذي فرضه العدوان الإسرائيلي المدمر على غزة، جاءت صافرة العودة التي أعلنها الفريق جبريل الرجوب، رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، لتعيد النبض إلى جسد الرياضة الفلسطينية، في قرار شجاع يعكس إدراكاً عميقاً بأن الرياضة ليست مجرد منافسات ونتائج، بل هي ذاكرة وطن، وهوية شعب، ورسالة صمود في وجه كل محاولات الاحتلال لطمس الحضور الفلسطيني وتعطيل مسيرته نحو الحياة والإنجاز.
لقد أدرك الاحتلال منذ سنوات طويلة أن الرياضة الفلسطينية تشكل مساحة مهمة لإبراز الهوية الوطنية، وأن اللاعب الفلسطيني عندما يرتدي قميص منتخب بلاده أو يمثل ناديه، فإنه يحمل رسالة تتجاوز حدود الملعب، رسالة شعب يمتلك حقه في الحياة والإنجاز والحضور على الساحة الدولية. لذلك لم تكن المنشآت الرياضية والكوادر والأندية بمنأى عن الاستهداف، بل كانت جزءاً من محاولات إضعاف أي مظهر من مظاهر الحياة الفلسطينية.
ورغم قساوة المشهد الذي تعيشه الرياضة الفلسطينية، فإن العودة إلى النشاط الرياضي تمثل ضرورة لا تحتمل التأجيل، لأن استمرار التوقف سيمنح الظروف الصعبة فرصة أكبر لقتل روح المبادرة وتعطيل مسيرة البناء والتطوير الرياضي. فالحركة الرياضية بحاجة إلى استعادة نبضها من جديد، ولو بخطوات تدريجية ومدروسة، بما يسهم في إعادة ترتيب الصفوف، وتهيئة الطريق نحو عودة أكثر شمولاً واستقراراً، وفق خطة استراتيجية متكاملة تضمن النهوض بالمنظومة الرياضية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.
وكانت الحكاية في غزة الأكثر ألماً في المشهد الرياضي الفلسطيني؛ فبين ركام الحرب وآثار الدمار، فقدت الرياضة الكثير من معالمها، على المستوى البشري حيث ودعت الحركة الرياضية ما يزيد عن 1000 رياضي، ناهيك عن المصابين والمفقودين، حيث تحولت الملاعب التي احتضنت أحلام الأطفال والشباب، والمنشآت التي شهدت لحظات الفرح والإنجاز، إلى شواهد على حجم المأساة التي خلفها العدوان. لقد أصاب الدمار مؤسسات رياضية عديدة، وأفقد الأندية جزءاً كبيراً من مقوماتها، فيما تعرضت البنية التحتية الرياضية لضربة قاسية، الأمر الذي يجعل إعادة البناء واستعادة النشاط تحدياً وطنياً يتطلب إرادة جماعية ورؤية استراتيجية واضحة.
وتواجه الرياضة الفلسطينية في الضفة الغربية تحديات من نوع آخر، تتمثل في الحواجز العسكرية، والاقتحامات للمدن والأحياء والمخيمات الفلسطينية، واعتداءات قطعان المستوطنين، وتقييد حرية حركة اللاعبين والفرق بين المحافظات، وهي معيقات تؤثر بشكل مباشر على انتظام البطولات والأنشطة الرياضية، وتضع عراقيل أمام تطور المنظومة الرياضية.
أما في الشتات، فتبقى الرياضة الفلسطينية حاملةً لرسالة الهوية والانتماء رغم اختلاف طبيعة التحديات والمعاناة؛ إذ تواجه الأندية والرياضيون الفلسطينيون خارج الوطن صعوبات تتعلق بضعف الإمكانات، ومحدودية الدعم، وتحديات الحفاظ على الارتباط بالمشهد الرياضي الوطني في ظل ظروف اللجوء والاغتراب. ورغم هذه المعوقات، استطاعت الرياضة الفلسطينية في الشتات أن تبقى جسراً يربط أبناء الشعب الفلسطيني بوطنهم، ومنصة للحفاظ على الهوية الوطنية ونقل صورة فلسطين إلى المجتمعات التي يعيشون فيها. فالأندية الفلسطينية في الخارج لم تكن مجرد مؤسسات رياضية، بل شكلت مساحات تجمع الشباب وتحافظ على الذاكرة الوطنية، وتؤكد أن الرياضة الفلسطينية قادرة على تجاوز الحدود الجغرافية، وأن راية فلسطين تبقى حاضرة في كل الميادين.
لكن أمام كل هذه التحديات، يبقى الخيار الفلسطيني هو الاستمرار وعدم الاستسلام. فالرياضة كانت دائماً عنواناً للصمود، ونافذة أمل تعكس قدرة الفلسطيني على تجاوز الأزمات. إن إعادة النشاط الرياضي لا تعني تجاهل حجم الألم أو القفز فوق الواقع الصعب، بل هي خطوة باتجاه التعافي، وإعادة بناء الحياة تدريجياً، واستعادة دور المؤسسات الرياضية في المجتمع.
إن المشهد الرياضي الفلسطيني بحاجة إلى تضافر كل الجهود والطاقات؛ من المجلس الأعلى للشباب والرياضة، واللجنة الأولمبية، والاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، والاتحادات الرياضية، والأندية، والإعلام الرياضي، والرياضيين أنفسهم، من أجل حماية هذا الإرث الوطني وتعزيز حضوره. فالرياضة هي أحد أبرز أشكال المقاومة الناعمة التي توصل صوت الشعب الفلسطيني إلى العالم، وتؤكد أن هذا الشعب قادر على صناعة الإنجاز رغم كل القيود.
ونحن اليوم، أمام قرار إعادة عجلة النشاط الرياضي، فإن الرسالة الأهم هي أن الملعب الفلسطيني سيبقى مفتوحاً أمام الأحلام والطموحات، وأن الراية الرياضية ستظل مرفوعة، تحمل معها حكاية شعب يتمسك بحقه في الحياة والإنجاز والحضور.
فالرياضة الفلسطينية كانت جزءاً من معركة الحفاظ على الهوية، وصوتاً يحمل للعالم حكاية شعب يرفض الغياب ويتمسك بحقه في الحياة والحرية والاعتراف بوجوده. ومع عودة الحياة إلى ملاعبنا، تعود معها رسالة فلسطين من جديد؛ رسالة تقول إن الإرادة لا تُهزم، وإن الأحلام لا تُدفن تحت الركام، وإن الرياضة الفلسطينية، رغم كل الجراح، لا تنكسر، وقد تتوقف للحظة لكنها سرعان ما تنهض، لأن خلفها قيادة حكيمة وشعباً يؤمن بأن الهوية باقية، وأن قوة الإرادة قادرة على تجاوز كل محاولات الطمس والتغييب.
