إيطاليا تذرف الدموع على رحيل فرانكو باريزي
كتب محمد عباسي - مصر
فجعت الأوساط الرياضية في إيطاليا إن لم يكن الشعب الإيطالي كله بوفاة قيصر الآزوري ومخلص الروسونيري فرانكو باريزي بعد رحلة قصيرة مع المرض لتفقد الكرة الإيطالية جزء كبير من إرثها الكروى البراق برحيل نجم من العيار الثقيل ترك بصمات لا تمحى على جدران نادي ميلان ومنتخب إيطاليا بل وعلى الكرة العالمية برمتها ..
لم يكن فرانكو باريزي مجرد لاعب عادي بل القائد الملهم والقلب النابض لفريق ميلان العظيم بعدما رسخ ولاؤه للأحمر والأسود في وقت مبكر من مسيرته حيث فضل البقاء في ناديه بعد هبوطه إلى الدرجة الثانية مرتين عامي 1980 و1982 ليقوده للعودة إلى الدوري الإيطالي في كلتا المناسبتين بمثالية ووفاء نادر ستبقيان محفورتان في أذهان أنصار الروسونيري إلى الأبد ..
شهادة مارادونا
قليلون هم اللاعبون الذين يصبحون رمزاً لمركزهم داخل المستطيل الأخضر ويحظون بإشادات عالمية وبالنسبة لأي شخص تابع كرة القدم في أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات لايمكن أن يجادل في أن فرانكو باريزي كان هو قلب الدفاع الأفضل في مركزه على مستوى العالم حيث كان تجسيداً حقيقياً لفن الدفاع والغريب أنه كان متفرداً في إسلوب لعبه ولم يشبه الكثيرين من المدافعين الآخرين في جيله وهو مادفع دييجو مارادونا للكتابة عنه في كتابه " دييجو الشعب " حيث قال " عندما وصلت إلى إيطاليا كان الجميع يخشى مواجهتي وفي أولى مبارياتي ضد الميلان فوجئت بأنني لا أواجه مدافعاً عادياً بل كنت أواجه شبحاً ينقض على الكرة ويسرقها بكل براعة من دون أن أشعر به فبينما كان الآخرين يضربونني بلا هوادة كان باريزي مدهشاً في إفتكاك الكرة بكل سهولة وأناقة ، إنه أفضل مدافع واجهته على الإطلاق " ..
نبوغ مبكر
كان فرانكو باريزي قد بلغ التاسعة عشرة من عمره للتو عندما فاز بأول لقب له في الدوري الإيطالي مع ميلان تحت قيادة المدرب نيلس ليدهولم عام 1979 حيث كانت كرة القدم الإيطالية لا تزال خاضعة لهيمنة أسلوب الكاتناتشيو ومعظم خطوط الدفاع تتكون من ليبرو ولاعبين اثنين للمراقبة الفردية وظهير أيسر هجومي إن حالف الفريق الحظ لكن الأمر اختلف مع ليدهولم فقد كان السويدي المخضرم رائداً في الدوري الإيطالي في استخدام أسلوب الرقابة المناطقية وفكرة أن اللعبة ليست سلسلة من المواجهات البدنية بل صراع على المساحات ، كان باريزي مراهقاً لا يتجاوز طوله 175 سم ومن الصعب أن يثق به المدربون التقليديون لكن ليدهولم رأى فيه قارئاً بارعاً للعبة فإعتمد عليه بصورة أساسية في كل مباراة ليس في بطولة الدوري فقط بل وفي كأس إيطاليا وكأس الاتحاد الأوروبي أيضاً ..
كان ذلك الموسم كارثياً على النادي حيث اعتُقل اللاعبون في أرض الملعب بعد المباراة الأخيرة في الموسم ضمن فضيحة المراهنات الشهيرة توتونيرو التي أدت في النهاية إلى هبوط ميلان ومع غرق النادي في أزمة مالية أعقب الصعود هبوط آخر ورغم صعودهم مجدداً بدا المستقبل قاتماً قبل تولي سيلفيو برلسكوني زمام الأمور عام 1986 وظل باريزي وفياً طوال تلك الفترة للروسونيري الذي أصبح بمثابة عائلته البديلة بعدما توفي والداه قبل أن يبلغ السادسة عشرة من عمره ..
قلب ميلان النابض
لم يلعب فرانكو باريزي قط لأي نادٍ آخر غير الميلان حيث خاض بالقميص الأحمر والأسود 719 مباراة في جميع المسابقات على مدار نحو 20 عاماً ومع ذلك فقد كان من الممكن أن يكون لاعباً في إنتر ميلان بجوار شقيقه الأكبر جوزيبي عندما عرض على فرانكو فرصة تجربة أداء في سن الرابعة عشرة إنتهت بالفشل لكونه لم يكن يتمتع بالبنية الجسدية القوية حتى أن المسؤولين في الإنتر طلبوا منه العودة في العام التالي لكنه ذهب إلى الميلان الذي أصر على أنه كان دائماً ناديه المفضل منذ نعومة أظفاره ..
بعد فضيحة التوتونيرو وماخلفته من فترة تخبط مالي وإداري أشترى سيلفيو بيرلسكوني نادي ميلان في فبراير 1986 نظير 15 مليار ليرة إيطالية وكان دخيلا على النظام لكنه صمم على زعزعة الوضع الراهن ووجد في أريجو ساكي مدرباً ثورياً يمكنه السير على خطى العبقري نيلس ليدهولم فعمد ساكي إلى تكوين خط دفاع رباعي قوي ومتكامل مع اللعب بإسلوب الضغط العالي إمام جميع الفرق بلا إستثناء وهو ماكان موضع تشكيك من الكثيرين وعندما خسر ميلان على أرضه أمام فريق فيورنتينا ثم تعثر بهزيمة أخرى أمام إسبانيول في كأس الاتحاد الأوروبي وتعادل مخيب للآمال أمام تشيزينا كانت النكتة الرائجة آنذاك هي أن منقذ بيرلسكوني الجديد لن يستمر حتى عيد القديسين الذي يوافق الأول من نوفمبر ..
بدأ أداء الفريق بالتحسن لكن أريجو ساكي كان قلقاً من أنه ضغط على اللاعبين أكثر من اللازم فخفف من حدة التدريبات وعندها تدخل فرانكو باريزي بشكل حاسم وتوسل إليه ألا يخفف من ضغط التدريبات بل يزيدها أكثر وأكثر وأكد على أهمية ألا ينسى اللاعبين ماتعلموه في أسلوب اللعب الجديد وأن يحددوا مراكزهم ليس وفقاً لقواعد محددة مسبقاً بل من خلال التفاعل المستمر مع الخصوم وزملائهم والكرة والمساحة حتى يستوعبوا هذه العمليات وتصبح جزءًا لا يتجزأ من أدائهم وهو ماكان بمثابة النقطة الفارقة في إستمرار نهج أريجو ساكي الذي أكتسح به الأخضر واليابس محلياً وقارياً في حقبة التسعينيات ..
باريزي قائد الثورة التكتيكية لساكي
بعدما أدرك أريجو ساكي أنه طالما كان فرانكو باريزي منخرطاً في الثورة الكروية التي يريدها فإن الفريق سيتبعه لا محالة لم يتراجع الداهية الإيطالي عن أفكاره الثورية وبأسلوبه العصري للغاية فاز الميلان بلقب الدوري الإيطالي عام 1988 وعزز ذلك بفوزه المتتالي بكأس أبطال أوروبا عامي 1989 و 1990 مقدماً بعضاً من أروع عروض كرة القدم في تلك الفترة على الإطلاق حيث كان فرانكو باريزي عنصراً أساسياً فى ذلك ليس فقط من خلال إحباط هجمات الخصوم بل أيضاً في التحليل والتنظيم المستمر بالإضافة إلى شن الهجمات المرتدة بتمريراته الأمامية المتقنة على غرار ما كان يفعله القيصر الألماني فرانز بيكنباور ..
إستلهم فرانكو باريزي الكثير من اللاعبين المبدعين مثل بيكنباور والهولندي رود كرول لكنه إمتاز عنهما بأنه كان أيضاً مدافعاً صلباً للغاية وصفه الأسطورة مارادونا بأنه أفضل مدافع واجهه على الإطلاق ، كان باريزي يدافع بشراسة إلى جانب تدخلاته الممتعة وفي أوقات كثيرة كان هو الذي يتلقى الضربات من المنافسين ولا تنسي جماهير الميلان كيف لعب أكثر من ساعة في ديربي ميلانو ضد الإنتر عام 1989 بذراع مكسورة كما لا تنسى الجماهير في العالم كله كيف تمكن من التعافي من جراحة الركبة التي خضع لها بعد تمزق غضروفه في مباراة النرويج بدور المجموعات في كأس العالم بأميركا 1994 وإصراره على المشاركة في المباراة النهائية بعد إيقاف زميله إليساندرو كوستاكورتا ورغم أداؤه البطولي في المباراة التي أستمرت 120 دقيقة إلا أنه خسر آخر فرصة له في الفوز باللقب العالمي بعدما عبس الحظ في وجهه فأهدر ركلة ترجيحية ..
كأس العالم إستعصت عليه
لم يكن للاعب القرن في ميلان نصيب في الفوز بكأس العالم بشكل دراماتيكي غريب فهو كان ضمن تشكيلة المدرب إنزو بيرزوت التي حققت اللقب في إسبانيا 1982 لكنه لم يلعب ولو لدقيقة واحدة وبعدما تهيأ للفوز باللقب عندما إستضافت بلاده للبطولة في عام 1990 خسر في نصف النهائي أمام دييجو مارادونا ورفاقه بركلات الترجيح وهو ماتكرر أمام البرازيل بعدها بأربع سنوات في نهائي مونديال أميركا 1994 فكانت تلك هي إحدى ذكرياته المؤلمة التي لم ينساها أبداً ، لكن عدم فوزه بكأس العالم لم يمنع الإعتراف به كأحد أساطير الدفاع في تاريخ اللعبة وهو ماتم ترجمته على أرض الواقع في 28 أكتوبر 1997 عندما أقيمت مباراة تكريمية له في ملعب سان سيرو بين قدامى الميلان ومنتخب نجوم العالم شهدت مراسم رمزية لحجب القميص رقم 6 بحيث لا يرتديه أي لاعب من بعده وهكذا ستبقى ذكراه دائماً في القميص الأحمر والأسود كأبرز لاعب في تاريخ النادي بلا منازع ..
