عربي ودولي عرض الخبر

كأس العالم

هل خرج ميسي من "ظل مارادونا" وتفوق عليه؟

2026/07/17 الساعة 06:58 م

الرياضية أون لاين:وكالات 

​أعاد وصول ليونيل ميسي، في سن التاسعة والثلاثين، بالمنتخب الأرجنتيني إلى نهائي كأس العالم 2026 فتح المقارنة الأكثر حساسية وعاطفية في تاريخ كرة القدم. وجاء التأهل المثالي بعد الفوز المثيـر على إنجلترا بنتيجة 2-1، في مباراة صنع فيها ميسي هدفي العودة في الدقائق الأخيرة، ليرفع رصيده المونديالي القياسي إلى 21 هدفاً و12 تمريرة حاسمة. ورغم اعتماده على إدارة مجهوده البدني بحكم تقدمه في العمر، إلا أن تأثيره الحاسم في الأوقات الحرجة أثبت أن بريقه لا يخبو، مما وضع الجماهير والمحللين أمام تساؤل تاريخي: هل تجاوز ميسي دييغو مارادونا، أم أن الأخير ينتمي لمرتبة رمزية لا تطالها لغة الأرقام؟

​تفوق لغة الأرقام والاستمرارية الرياضية

​على مستوى المسيرة الاحترافية الكاملة، تبدو الحجة الرقمية والفنية في صف ليونيل ميسي بشكل صارخ. فنحن نتحدث عن استمرارية مذهلة لنحو عقدين من الزمن في قمة كرة القدم العالمية، تخللتها أرقام فردية وجوائز مرعبة ونجاحات محلية وقارية لا حصر لها مع الأندية. والآن، يقود ميسي بلاده إلى نهائي المونديال للمرة الثالثة في مسيرته والثانية على التوالي بعد مجد قطر 2022. وفي حال نجاح الأرجنتين في عبور العقبة الإسبانية في النهائي، سيُتوج ميسي بطلاً للعالم مرتين، محققاً لبلاده إنجاز الحفاظ على اللقب الغائب عن ملاعب الكرة منذ البرازيل عام 1962، وهو ما يراه نقاد كثر، ومنهم المحلل جوناثان ويلسون، خطوة حاسمة للخروج التام من ظل مارادونا الذي طالما حاصره بالاتهام التاريخي بأنه لم يقدم للقميص الوطني ما قدمه دييغو في 1986.

​هالة 1986: الإرث المعزول لمارادونا

​في المقابل، يتسلح عشاق مارادونا بحجة لا ترتبط بطول المسيرة أو عدد الكؤوس، بل بطبيعة الهيمنة المطلقة وغير المكررة التي فرضها "الولد الذهبي" في مونديال المكسيك 1986. فخلال تلك النسخة، سجل مارادونا خمسة أهداف وصنع خمسة أخرى، مساهماً بشكل مباشر في أكثر من 70% من أهداف فريقه، ليقدم أدءاً فردياً يُصنف في وثائق الاتحاد الدولي لكرة القدم بأنه الأكثر سيطرة في تاريخ اللعبة. وعلى العكس من ميسي الذي يقود حالياً منظومة جماعية متكاملة ومؤهلة لمساعدته، حفر مارادونا صورته في الوجدان الشعبي باعتباره البطل الأوحد الذي حمل بلاده على كتفيه نحو المجد. وتدعم هذه الرؤية آراء نجوم سابقين مثل إيان رايت، الذي يرى أن الفوز بلقب ثانٍ لن يمنح ميسي الأفضلية آلياً، لأن التقييم هنا يعتمد على عمق التأثير الفردي وصورته البصرية في الملعب وليس على عدد الميداليات فحسب.

​بطل الملاعب ضد أيقونة المجتمع

​تتجاوز المقارنة حدود المستطيل الأخضر لتصطدم بالبعد السوسيولوجي والسياسي لكليهما؛ فمارادونا لم يكن مجرد لاعب كرة قدم بالنسبة للأرجنتينيين، بل كان صوتاً للمهمشين، وابن الأحياء الفقيرة الثائر على المؤسسات، والرمز الذي ارتبطت أهدافه في شباك إنجلترا بذاكرة حرب جزر فوكلاند القومية. وعلى النقيض من ذلك، صاغ ميسي أسطورته من خلال عبقرية هادئة واحترافية نموذجية منضبطة، ولم ينل الحب الأرجنتيني الجارف والكامل إلا في سنواته الأخيرة بعد التتويج بكوبا أميركا ومونديال قطر. وتظهر هذه القوة الرمزية لمارادونا حتى في المونديال الحالي، حيث طغت روحه وصوره على مواجهة إنجلترا، بل إن ميسي نفسه أهدى التأهل لذكراه. هذا الحضور الاجتماعي والسياسي ل مارادونا هو ما يجعله المفضل لدى شخصيات رياضية مثل كريغ فوستر، الذي يرى في مواقف دييغو معياراً يتجاوز المهارة والألقاب.

​حكم التاريخ: العظمة في مواجهة الخلود

​تتجه المؤشرات الرياضية إلى أن فوز ميسي باللقب العالمي الثاني في سن التاسعة والثلاثين سيغلق الجدال الرقمي تماماً، ويمنحه الحجة الفنية المتكاملة كأعظم لاعب أنجبته الأرجنتين عبر العصور بالنظر إلى أرقامه القياسية واستمراريته التي لم يعرفها أي لاعب آخر في التاريخ. ومع ذلك، فإن هذا التفوق الرياضي الكاسح لن يمحو أسطورة مارادونا أو يلغيها من الوجدان الشعبي؛ لأن دييغو لا يعيش في الذاكرة بفضل عدد الكؤوس، بل بالقصة الإنسانية المليئة بالتمرد، والمأساة، والهوية الشعبية. وفي نهاية المطاف، يمكن لميسي أن يتربع على عرش "الأعظم" لغةً ورسماً، بينما سيبقى مارادونا الأسطورة الأكثر اشتعالاً وعاطفة في قلوب الأرجنتينيين.