الرياضية أون لاين : غزة : كتب - علي حمد
تحت المباني المتضررة من الحرب، وبين شوارع أنهكتها شهور طويلة من القصف والدمار، اجتمع عشرات الفلسطينيين في قطاع غزة لمتابعة مباراة منتخب مصر أمام أستراليا، في مشهد امتزجت فيه مشاعر الفرح بالأمل، وأثبت أن الرياضة لا تزال قادرة على صناعة لحظات استثنائية حتى في أكثر الأماكن معاناة.
وسط واقع إنساني بالغ الصعوبة، لم تمنع آثار الحرب سكان غزة من الالتفاف حول شاشة واحدة، لتشجيع المنتخب المصري في مباراته الحاسمة. ومع كل هجمة، ارتفعت الهتافات، وتعالت الدعوات، وكأن الجميع يخوض المباراة بروح واحدة، حتى جاءت صافرة النهاية معلنة فوز المنتخب المصري، لتنطلق مظاهر الاحتفال التي بددت، ولو للحظات، قسوة المشهد المحيط.
ورغم المباني المهدمة والطرق التي ما زالت تحمل آثار الدمار، علت الزغاريد، ورفرفت الأعلام، وتعانقت القلوب قبل الأيدي، في رسالة عفوية تؤكد أن الفرح لا يعرف حدودًا، وأن الشعوب العربية تلتقي دائمًا على المحبة والدعم والمؤازرة.
ولم يكن تشجيع المنتخب المصري مجرد متابعة لمباراة في كرة القدم، بل كان تعبيرًا عن عمق العلاقات التاريخية التي تربط الشعبين الفلسطيني والمصري، وعن شعور بالانتماء إلى فضاء عربي واحد، تتقاسم شعوبه الأحزان كما تتشارك الأفراح.
ويؤكد هذا المشهد أن الرياضة تمتلك قدرة استثنائية على جمع الناس، وكسر الحواجز التي تفرضها الظروف الصعبة، فمن بين ركام الحرب خرجت أصوات التشجيع، ومن قلب المعاناة وُلدت لحظة فرح جماعية حملت معاني الوحدة والتضامن والأمل.
كما عكس الاحتفال رسالة إنسانية مؤثرة، مفادها أن الفلسطينيين، رغم ما يعيشونه من ظروف قاسية، ما زالوا يتمسكون بالحياة، ويبحثون عن كل مناسبة تمنحهم مساحة للأمل والابتسام، مؤكدين أن الحرب لم تنجح في كسر إرادتهم أو انتزاع قدرتهم على الفرح.
ولعل أكثر ما ميز هذا المشهد هو رمزيته؛ ففي الوقت الذي كانت فيه آثار الحرب تحيط بالمكان من كل جانب، كان الحضور يرفعون أصواتهم دعمًا لمنتخب عربي، وكأنهم يقولون إن الروابط التي تجمع الشعوب العربية أقوى من كل الأزمات، وأن التضامن لا يحتاج إلى كلمات بقدر ما يحتاج إلى مواقف صادقة.
واختتمت هذه اللحظات برسالة بقيت حاضرة في وجدان كل من تابعها: قد تفرق الحدود بين البلدان، وقد تفرض الظروف مسافات قاسية، لكن القلوب العربية تظل أقرب مما تبدو. فالوجع واحد، والفرحة واحدة، وما يجمع العرب أكبر من مباراة كرة قدم، وأعمق من كل التحديات، لتبقى الأخوة والإنسانية عنوانًا لا تغيره الحروب ولا تبدله الظروف.
