السونيتة الأرجنتيني "ميسي" قصيدة فلسفية في جسد لاعب كرة قدم
بقلم م.محمد نبيل كبها
لطالما كانت كرة القدم مسرحا يعكس الفن الإنساني في أبهى تجلياته، فهي ليست مجرد لعبة، وإنما لغة عالمية لا تحتاج الى ترجمة، حيث تختفي تحت جناحها الألقاب الرسمية، وتتجاوز حدود المستطيل الأخضر لتجمع الشعوب على مختلف ثقافاتهم وأديانهم وفوارقهم الطبقية والاجتماعية والسياسية داخل المدرجات أو أمام الشاشات، ويتساوى الجميع في مشاعر الفرح والحزن.
لقد شهدت الساحرة المستديرة عبر الحقب التاريخية ظهور أساطير غيروا مجرى اللعبة وصنعوا شعبيتها الجارفة، وتحولوا الى أيقونات ثقافية لجيل بأكمله، ففي الخمسينيات والستينيات بزغ نجم بيليه البرازيلي، وفي السبعينيات يوهان كرويف الهولندي، وفي الثمانينيات دييغو مارادونا الأرجنتيني، وفي التسعينيات الظاهرة رونالدو البرازيلي، أما في الألفينيات فأعتقد أنه البرغوث ميسي، الذي قلب موازين هذه المستديرة رأسا على عقب، وكسر قوانين الفيزياء ليعيد تعريف الممكن في كرة القدم، جاعلا علماء الرياضة والفيزياء يحللون حركاته كظاهرة خارقة للطبيعة، من توازنه الدقيق، سرعته بالكرة، تصميمه للفراغات، صناعة المساحات من العدم، فك الشيفرات الدفاعية ببساطة، القدرة الفطرية الهائلة على المراوغة في المساحات المحصورة والضيقة، وتغيير اتجاهه المفاجئ الذي كسر عبره القوانين الفيزيائية التقليدية للمقذوفات والحركة!
على الصعيد الشخصي، لا أجد ميسي مجرد مهاجم تقليدي ينتظر الكرة بالقرب من منطقة الجزاء، بل أفضل لاعب في تاريخ كرة القدم، لأن ميسي يلعب من أجل ميسي، ولا أجد أي مقارنة بين كريستيانو رونالدو النموذج الحي للإرادة الحديدية والعمل الشاق والتدريب المستمر، وبين ميسي الموهبة الفطرية والعبقرية الطبيعية والسحر الذي لا ينتهي!
ولن أتحدث عن ميسي اللاعب الذي اخترق المدرعات البشرية والمنظومات الدفاعية التي صممت خصيصا لتعطيله وإيقافه، أو عن كسره للألقاب وتحطيمه للأرقام القياسية في اللعبة، بل سأتحدث عن ميسي الشاعر والفنان، ولا أعلم إن كان ميسي يعلم انه ظاهرة فلسفية وقصيدة شعرية في جسد لاعب كرة قدم!
هذه اللوحة الفنية التي تجاوزت المنطق وأبطأت الوقت وفلسفة المساحة والزمن، حيث دأب ميسي على هندسة الكون الصغير الذي يتحرك فيه، ليقدم أطروحته الفلسفية الأولى: "المشي كأعلى درجات الوعي" كفعل "فينومينولوجي" (ظاهراتي) بامتياز. حيث نجده يقوم بمسح راداري للملعب، يدرس الثغرات، ويزن أبعاد الفراغ، يُفسخ شيفرات الدفاع، ثم يبدأ بالتنفيذ.
وإبان هذا التنفيذ مثّل مقولة الفيلسوف الطبيعي "سقراط" بأن "العمق يكمن في البساطة"، ومثّل حكمة الفيلسوف المعرفي "إيمانويل كانط" بأن "الجمال الحقيقي هو ما يمنحنا متعة بصرية دون غرض مسبق"، كما ووأد بهذه الكاريزما الصامتة "الأنا" (Ego) للفيلسوف النمساوي "سيغموند فرويد" وجسّد ما تحدث عنه الفيلسوف الألماني نيتشه ب (الإنسان المتفوق(Übermensch .
ميسي الذي وهبه الله سبحانه جسدا استثنائيّاً يمتلك ثورة على القوانين الفيزيائية الصارمة، والذي يمارس عبره الانعطاف الوجودي المفاجئ وفلسفة "الهدم والبناء" في جزء من الثانية، ما يمكن تسميته ب"النسبية الكروية".
والحديث يطول حول هذا البرغوث الصغير، لكن يمكنني أن أختصره بأن ميسي أثبت أن الفلسفة ليست حكراً على الأوراق والكتب، بل يمكن أن تُكتب بالقدم اليسرى على العشب الأخضر.
بقلم الفيلسوف والمفكر الإسلامي والأديب الفلسطيني م.محمد نبيل كبها
عضو الإتحاد العام للكتاب والأدباء الفلسطينيين، والعرب، ومنتدى الكتاب العربي، والإتحاد الدولي للمثقفين العرب، والإتحاد الدولي لجامعات العلوم والبحوث والثقافة.
