عربي ودولي عرض الخبر

إنفانتينو بين شعارات العدالة وصمت المصالح

2026/06/11 الساعة 11:51 م

الرياضية أون لاين : غزة/كتب حسام الغرباوي:

لم يكن استقبال الحكم الصومالي عمر عبد القادر أرتان في مقديشو مجرد احتفاء بحكم دولي حُرم من حلمه التاريخي، بل كان رسالة احتجاج صامتة على واقع باتت فيه السياسة تتسلل إلى الملاعب وتفرض حضورها على أكثر البطولات شعبية في العالم.

فالحكم الذي اختارته الفيفا للمشاركة في إدارة مباريات كأس العالم 2026، والذي يعد من أبرز الحكام الأفارقة في السنوات الأخيرة، وجد نفسه ممنوعًا من دخول الولايات المتحدة، الدولة المضيفة للبطولة، رغم حصوله على تأشيرة دخول رسمية؛ وبينما انتظر الشارع الرياضي العالمي موقفًا حازمًا من رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم جياني إنفانتينو، اكتفت الفيفا ببيانات باردة تؤكد أن قرارات الهجرة من اختصاص الدولة المضيفة.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا: أين تقف الفيفا عندما تتعارض القرارات السياسية مع مبادئ اللعبة العالمية؟ وهل يقتصر دورها على تنظيم المباريات وبيع الحقوق التجارية، أم أن عليها الدفاع عن حق اللاعبين والحكام والمسؤولين في المشاركة عندما تستوفي جميع الشروط القانونية؟

القضية لا تتوقف عند أرتان فقط؛ فقد شهدت الأشهر الماضية شكاوى متكررة من تأخر التأشيرات والإجراءات المعقدة التي واجهت بعض المنتخبات والمسؤولين والإعلاميين، وعلى رأسهم الوفد الإيراني، ما أثار مخاوف جدية حول قدرة الدولة المضيفة على الالتزام بالضمانات التي تُمنح للفيفا قبل استضافة البطولات الكبرى.

قوانين الفيفا تنص على عدم التمييز وعلى ضمان مشاركة جميع الأطراف المؤهلة رياضيًا، لكن ما يحدث على أرض الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة الاتحاد الدولي على فرض هذه المبادئ عندما يتعلق الأمر بالقوى الكبرى؛ فهل كانت الفيفا ستلتزم الصمت لو تعرضت دولة أقل نفوذًا لما تتعرض له الولايات المتحدة من انتقادات اليوم؟ أم أن سياسة الكيل بمكيالين أصبحت جزءًا من المشهد الرياضي الدولي؟

وإذا كان صمت الفيفا تجاه قضية الحكم الصومالي يثير علامات الاستفهام، فإن سجلها تجاه الرياضة الفلسطينية يفتح بابًا أوسع من التساؤلات؛ فعلى مدار سنوات طويلة، اكتفت المؤسسة الكروية الدولية ببيانات خجولة أمام الانتهاكات التي طالت الرياضيين الفلسطينيين، من استهداف وقتل وإصابة اللاعبين، وتدمير الملاعب والمنشآت الرياضية، وفرض القيود على حرية الحركة والتنقل، ومنع دخول المعدات والأدوات الرياضية اللازمة لتطوير اللعبة؛ كما أن استمرار مشاركة خمسة أندية إسرائيلية من المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة في المسابقات الرسمية الإسرائيلية ظل ملفًا عالقًا دون حسم حقيقي من الفيفا، رغم ما يحيط به من جدل قانوني وأخلاقي واسع؛ إن تراكم هذه الملفات يعزز الانطباع بأن الاتحاد الدولي بات عاجزًا عن حماية الرياضة والرياضيين عندما تتداخل السياسة مع مبادئ العدالة التي يرفعها شعارًا في خطاباته الرسمية.

إنفانتينو الذي لا يفوت فرصة للحديث عن الشمولية والوحدة وقوة كرة القدم في جمع الشعوب، يجد نفسه اليوم أمام اختبار حقيقي لمصداقية تلك الشعارات. فالصمت أمام استبعاد حكم دولي معتمد، أو تجاهل العقبات التي تواجه بعض المنتخبات والمسؤولين، أو الاكتفاء بالمراقبة تجاه ما تتعرض له الرياضة الفلسطينية، يبعث برسالة خطيرة مفادها أن القوانين تُطبَّق بمرونة عندما يتعلق الأمر بالدول النافذة وأصحاب النفوذ.

كرة القدم لطالما قُدمت بوصفها لغة عالمية تتجاوز الحدود والسياسة، لكن أحداث كأس العالم 2026 وما سبقها من أزمات تكشف أن هذه اللغة ما زالت رهينة الحسابات السياسية والمصالح الدولية؛ وما لم تتخذ الفيفا موقفًا أكثر وضوحًا واستقلالية في الدفاع عن مبادئها المعلنة، فإن الحديث عن العدالة والمساواة سيبقى مجرد شعارات جميلة تُرفع في المؤتمرات وتُغيب عند أول اختبار حقيقي، لتبقى الأسئلة معلقة: هل أصبحت الفيفا أسيرة لمصالح القوى الكبرى؟ أم أنها فقدت بالفعل قدرتها على حماية الرياضة والرياضيين حول العالم؟