كتب/حسام الغرباوي
لم تعد الرياضة مجرد منافسة بين الفرق، بل أصبحت ساحة تتداخل فيها المصالح السياسية مع القرارات الرياضية، ورغم رفع شعار فصل السياسة عن الرياضة، فإن هذا المبدأ يتلاشى عندما تتعلق الأمور بمصالح القوى الكبرى، ويتجلى ذلك في اللقاء الذي جمع رئيس الفيفا جياني إنفانتينو بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث نوقشت قضايا تتعلق بمشاركة بعض الدول في البطولات الدولية، ويعكس هذا المشهد حجم التداخل بين السياسة والرياضة ويطرح تساؤلات حول ازدواجية المعايير في المؤسسات الرياضية الدولية.
شعار فصل السياسة عن الرياضة… متى يُطبق؟
لطالما يؤكد الاتحاد الدولي لكرة القدم FIFA على مبدأ فصل السياسة عن الرياضة، لكن الواقع يظهر أن هذا الشعار يُطبق بانتقائية تبعًا لمصالح الدول النافذة.
فعندما تعبر الشعوب المتضررة عن قضاياها عبر الرياضة تُتهم بتسييس اللعبة، بينما يُتجاهل الأمر عند تدخل القوى الكبرى في الشأن الرياضي، هذه الازدواجية تمس جوهر القيم الرياضية القائمة على العدالة والمساواة والحياد.
فلسطين… حين تُعاقَب الضحية
تكشف الحالة الفلسطينية بوضوح ازدواجية المعايير في الرياضة الدولية؛ إذ تعرضت البنية التحتية الرياضية في قطاع غزة لدمار واسع، شمل ملاعب ومنشآت ورياضيين، دون موقف حازم يعكس حجم الكارثة من قبل FIFA.
وفي الوقت ذاته، تزايد الجدل بعد تقديم منظمات حقوقية شكوى إلى المحكمة الجنائية الدولية ضد جياني إنفانتينو وألكسندر تشيفيرين، على خلفية استمرار إشراك أندية إسرائيلية من مستوطنات مقامة على أراضٍ فلسطينية محتلة في مسابقات UEFA وFIFA، وهو ما اعتبره مقدمو الشكوى تجاهلًا للقانون الدولي ومبادئ العدالة في الرياضة.
نموذج روسيا… حين تتحول الرياضة إلى سلاح سياسي
مثال آخر على هذا التداخل يتمثل في العقوبات الرياضية الواسعة التي فُرضت على روسيا عقب اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022، فقد تم استبعاد المنتخبات والأندية الروسية من العديد من البطولات الدولية، وهو قرار حمل أبعادًا سياسية واضحة، فلماذا لا يتم تطبيق المعايير ذاتها في حالات أخرى من الصراعات والحروب حول العالم؟ ولماذا يتم التعامل مع بعض القضايا بحزم شديد، بينما يتم تجاهل قضايا أخرى رغم وضوح الانتهاكات فيها؟
هذا التفاوت في التعامل يكشف أن القرارات الرياضية الدولية لا تُتخذ دائمًا وفق معايير ثابتة، بل كثيرًا ما تتأثر بتوازنات القوة والنفوذ السياسي.
كرة القدم بين القيم والمصالح
كرة القدم هي اللعبة الأكثر شعبية في العالم، وهي تمتلك قدرة هائلة على التأثير في الرأي العام العالمي. ولهذا السبب تحديدًا تحاول القوى السياسية استثمارها لتحقيق مكاسب أو تمرير رسائل معينة.
لكن عندما تصبح المؤسسات الرياضية جزءًا من هذه اللعبة السياسية، فإنها تفقد جزءًا كبيرًا من مصداقيتها.
الحاجة إلى عدالة رياضية حقيقية
إن ما يحدث اليوم في العالم من حروب وصراعات سياسية تؤثر بشكل مباشر في الرياضة يفرض على المؤسسات الدولية مراجعة جادة لسياساتها، فإما أن يتم الالتزام فعليًا بمبدأ فصل السياسة عن الرياضة، أو يتم الاعتراف بأن الرياضة أصبحت جزءًا من المعادلات السياسية الدولية.
أما الاستمرار في تطبيق المعايير بشكل انتقائي، فإنه سيؤدي إلى فقدان الثقة في المؤسسات الرياضية العالمية، ويجعل الحديث عن العدالة الرياضية مجرد شعار لا يعكس الواقع.
فالرياضة، في جوهرها، وُجدت لتكون جسرًا بين الشعوب، وإذا أراد العالم الحفاظ على هذه الرسالة، فإن أول خطوة يجب أن تبدأ من إنهاء ازدواجية المعايير، وإرساء قواعد عادلة تُطبق على الجميع دون استثناء.
