باتريس لومومبا يبعث من جديد
كتب محمد العباسي
كرة القدم في القارة السوداء لا تتعلق بما يحدث في الملعب فقط بل هي فرصة للمشجعين من أجل إظهار هوياتهم وأصولهم التي يعتزون ويفتخرون بها وفي نهائيات كأس الأمم الإفريقية التي أقيمت في المغرب وسط الطبول والأهازيج والرقصات الإفريقية برز المشجع الكونغولي كوكا مبولادينجا بتجسيده تمثال زعيم التحرر في بلاده المناضل خالد الذكر باتريس لومومبا ..
ما شاهدناه في مدرجات ملاعب كأس الأمم الإفريقية 2025 بالمغرب يعكس لنا مدى إعتزاز الأفارقة بتاريخهم النضالي رغم كل المصاعب والأحداث المأساوية التي مر بها آبائهم وأسلافهم في ظل كفاحهم من أجل الإستقلال والحرية والتي كان رئيس الوزراء الكونغولي الأسبق باتريس لومومبا أحد رموزه بعدما فقد حياته وتم إعدامه وإخفاء جثته لكنه ظل في وجدان الملايين ..
ليس تمثالاً من الشمع
ستة عقود أو يزيد مرت على إعدام باتريس لومومبا ولكن كوكا مبولادينجا لم ينسى أحد زعماء التحرر في بلاده بل وفي القارة السوداء بأسرها لذلك شاهدناه في مباريات منتخب الكونغو الديمقراطية بأمم إفريقيا وهو يحاول تجسيد شخصية لومومبا بطريقة صعبة وفريدة من نوعها وخلال مباريات منتخب بلاده في دور المجموعات رأينا واحدة من أغرب الظواهر في مدرجات الجماهير الإفريقية والتي إعتدنا من خلالها على كل ما هو غريب ومختلف لكن مبولادينجا كان يحمل رسالة ما ..
للوهلة الأولى ظن الكثيرين أن الجماهير الكونغولية جلبت معها تمثالاً مصنوع على هيئة باتريس لومومبا لوضعه في المدرجات إذ تقمص المشجع شكل التمثال الحقيقي الموجود بجوار برج الأبطال في العاصمة كينشاسا بالوقوف صامداً دون أي حركة ولكنه بعد فترة من الثبات حرك يديه ليؤكد للجميع أنه ليس تمثالاً مصنوعاً من الشمع أو أي مادة أخرى بل هو شخص يدين بالفضل للومومبا الذي أفنى حياته في مقاومة الاستعمار البلجيكي ..
الغريب هو التشابه الكبير بين ملامح مبولادينجا والسياسي الذي تم إعدامه في يناير 1961 بولاية كاتانجا الإنفصالية دون أن يعلم أحد مكان جثته في واحدة من أبشع طرق الإعدام على مر التاريخ لذلك
وقف مبولادينجا بهذه الوضعية لمدة 105 دقيقة كاملة ضد بنين ورفع يده لمدة 97 دقيقة أمام السنغال و103 دقيقة أمام منتخب بوتسوانا و129 دقيقة أمام الجزائر من أجل التعبير عن حبه لبلاده ولهذه الشخصية التي تحمل قيمة هائلة بين أفراد شعبه ومع إحراز الجزائري عادل بو لبينة لهدفه القانل في مرمى منتخب بلاده إنسابت دموعه ففطر قلوب كل متابعي البطولة بلا إستثناء لدرجة إستياء الجميع مما فعله المهاجم الجزائري محمد الأمين عمورة عندما حاكى وقفته الشهيرة وكأنه يسخر منه ..
باتريس لومومبا الحقيقي
بعد مفاوضات مستفيضة أختتم مؤتمر المائدة المستديرة في بروكسيل يوم 27 يناير 1960 بإعلان إستقلال الكونغو ليوبولدفيل
( كينشاسا حالياً) وفي يوم 30 يونيو المحدد للإحتفال بالمناسبة أشاد ملك بلجيكا بودوان الأول بالتطورات الهائلة التي تحققت في ظل إستعمار بلاده للكونغو مشيداً بعبقرية عمه ليوبولد الثاني ومتجاهلاً الفظائع التي أرتكبت بحق الشعب الكونغولي على مدار 75 عاماً فقام باتريس لومومبا الذي إنتخب كأول رئيس وزراء للكونغو بالرد عليه بخطاب ثوري مذكراً أياه وكذلك كل الحاضرين بأن إستقلال بلاده لم يمنح من بلجيكا عن طيب خاطر ولكنه تحقق بعد نضال طويل لتحدث على الفور أزمة سياسية طاحنة بحضور رئيس الكونغو آنذاك جوزيف كازا فوبو ومجموعة من الشخصيات الهامة في إفريقيا وأوروبا وحاول وقتها رئيس الوزراء البلجيكي إلقاء خطاباً على الحاضرين ليمنعه لومومبا لشتعل بعدها الأمور بين لومومبا وملك بلجيكا نفسه حتى وصلت بالأخير إلى ضرورة وضع خطة للتخلص منه في أسرع وقت ممكن ..
فرحة الإستقلال لم تدم طويلاً بعدما أصدر لومومبا حزمة قرارات لإبعاد البلجيكيين عن إدارة شؤون البلاد وبتدبير شيطاني دخلت البلاد في عدة أزمات ليجد باتريس لومومبا نفسه أمام نيران التمرد العسكري من أجل إنفصال إقليم كاتانجا الغني بالثروات الطبيعية في الكونغو بدعم من بلجيكا ووفقاً لوثائق تاريخية فإن لومومبا حاول الاستغاثة بالعديد من الجهات لكن من دون جدوى ليقوم الرئيس الكونغولي الموالي لبلجيكا بعزله وتجريده من مهام منصبه وسط إعتراضات وتعاطف شعبي كبير معه ..
ثمن الوطنية
أدرك لومومبا وقتها أنه سيتعرض للإغتيال في أي وقت حتى إنه قال إذا مت الآن فسيكون ذلك بسبب تسليح المستعمر للإنفصاليين وهو ماحدث بالفعل بعدما حاول الهروب في شمال البلاد ولكن تم القبض عليه في النهاية وإعتقاله عن طريق العقيد موبوتو سيسي سيكو رئيس هيئة الأركان الذي سلمه إلى عدوه المتمرد مويس تشومبي الذي سلمه بدوره للجيش البلجيكي وفي 17 يناير 1961 تم إعدامه برصاص مجموعة مكونة من تسعة جنود كونغوليين مع وجود مسؤولين من بلجيكا للإشراف على العملية التي تمت بطريقة إنتقامية وغير آدمية ..
تم إقتياد لومومبا الذي تقبل موته بشجاعة نادرة دون أي مقاومة إلى منطقة موادينجوشا المليئة بالمستنقعات ليقوم الجنود بإطلاق وابلاً من الرصاص على جسده حتى أصبح مثل الغربال ويقال إن الأرض كان عليها نصف كيلو جرام من الرصاصات الفارغة بعد تنفيذ عملية الإعدام كما أن الشجرة التي أُعدم بجوارها ظلت مثقبة بالرصاصات لمدة 27 عاماً والأسوء من ذلك كان التخلص من جثة باتريس لومومبا عن طريق تقطيع جثته إلى قطع صغيرة وإذابتها في حمض الكبريتيك المركز الموجود في شاحنة تابعة لشركة تعدين بلجيكية وقام بهذه العملية ضابط بلجيكي أسمه جيرارد سويت الذي إعترف في لقاء تلفزيوني عام 1999 بجريمته الوحشية التي إرتكبها للتخلص من جثة لومومبا وقال إنه احتفظ باثنين من أسنان الزعيم الكونغولي كتذكار ..
تكريم في مصر والمغرب
المشجع الكونغولي كوكا مبولادينجا لم يكن أول من يدعم أسطورة بلاده ويكرمه فالرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر قدم الكثير من الدعم الدبلوماسي له وكان له دوراً أساسياً وهاماً مع العديد من الشخصيات الأخرى في حماية عائلته بعد واقعة إعدامه بعدما كلف سعد الدين الشاذلي قائد الفرقة المصرية بقوات حفظ السلام بتهريب أفراد عائلته إلى مصر وهو ما تم بالفعل ، ولاحقاً تم تكريمه بإطلاق أسمه على أحد أجمل شوارع محافظة الإسكندرية ( شارع بلجيكا سابقاً) والذي يمتد من حدائق الشلالات حتى البوابة الرئيسية لإستاد الإسكندرية ، ولم يقتصر تكريم الزعيم الكونغولي على مصر فقط بل إمتد إلى بلدان أخرى منها المغرب التي أطلقت اسمه كذلك على أحد الشوارع الهامة في مدينة الرباط تخليداً لذكراه كأحد أهم رموز وقادة التحرر في قارة إفريقيا ..
220 يوماً فقط قضاها سبارتاكوس الإفريقي في منصبه كأول رئيس وزراء منتخب للكونغو رافضاً أن يستمر نهب ثروات بلاده بإحتيال وإحتلال من نوع آخر فدفع الثمن حياته ولكنها كانت فترة كافية جداً ليحفر أسمه في ذاكرة الملايين من أبناء شعبه وما فعله هذا المشجع في مدرجات الكان 2025 هو دليل آخر على أن كرة القدم ليست لعبة فقط أو وسيلة ترفيهية بل طريقة للتعبير عن التمسك بالهوية والإعتزاز والإفتخار بها ولعل القارة الإفريقية هي الأكثر براعة في إظهار ذلك بمدرجات ملاعبها ..
