تقارير عرض الخبر

الرياضة الفلسطينية في غزة… صمود فوق الركام ودوران للعجلة رغم الإبادة

2026/01/27 الساعة 05:27 م

الرياضية أون لاين : غزة – كتب: حسام الغرباوي


في واحدة من أكثر الحروب دموية ووحشية في التاريخ الحديث، لم تكن الرياضة الفلسطينية في قطاع غزة بمنأى عن الاستهداف، بل كانت في قلب المشهد، هدفًا مباشرًا لآلة التدمير الإسرائيلية، التي لم تكتفِ بقتل الإنسان، بل سعت إلى محو الذاكرة، وكسر الروح، وتجفيف منابع الحياة، بما فيها الرياضة باعتبارها عنوانًا للهوية الوطنية الفلسطينية.
وفي هذا التقرير نسلط الضوء على حكايات تختصر وجع الرياضة الفلسطينية خلال عامين من حرب الإبادة على غزة ومن رحمها ولدت الانجازات:


أرقام تكشف حجم الجريمة
خلال حرب الإبادة على قطاع غزة استُشهد ما يقارب 1000 شهيد من الأسرة الرياضية الفلسطينية بين لاعب ومدرب وإداري وحكم وإعلامي رياضي، ودُمِّرت أكثر من 850 منشأة ومرفقًا رياضيًا، شملت ملاعب، صالات، أندية، مقرات اتحادات، ومراكز تدريب، لا يزال العشرات من الرياضيين في عداد المفقودين، فيما يقبع عدد كبير من اللاعبين والمدربين في سجون الاحتلال، بعضهم اعتُقل من داخل مراكز الإيواء أو أثناء النزوح، وعلى إثر ذلك توقفت البطولات المحلية، وتحولت الملاعب إلى أنقاض، أو إلى مراكز إيواء، وحول الاحتلال الإسرائيلي بعضها لمراكز اعتقال وتنكيل بالمواطنين.


حين تتحول الرياضة إلى مسؤولية وطنية
ورغم هذا الدمار الشامل، لم تتوقف عجلة الرياضة الفلسطينية عن الدوران، بل أعادت الأسرة الرياضية تعريف مفهوم الرياضة، من منافسة على الميداليات إلى فعل صمود ومقاومة ناعمة، وفي ظل انهيار البنية التحتية، برز الرياضيون كقادة مجتمع: تحوّلوا إلى عمال إغاثة قادوا مراكز إيواء، ونقلوا الحقيقة من قلب النار.
ولاعبون أبطال واصلوا التدريب بوسائل بدائية ليبقوا علم فلسطين حاضرًا في المحافل الدولية، لم تكن الرياضة في غزة ترفًا، بل وسيلة للحفاظ على الأمل، وتثبيت الهوية، وحماية الأجيال من الانكسار.


اللاعب الذي ابتلعه الجوع
الكابتن نادر النجار، لاعب ومدرب نادي شباب جباليا، خرج في ذروة المجاعة بحثًا عن قوت أطفاله، متجهًا إلى ما عُرف بـ "مؤسسة غزة الإنسانية" خرج ولم يعد .. لا شاهد، لا قبر، لا خبر .. اختفى نادر كما اختفى العدل، وبقيت قصته شاهدة على أن الرياضي الفلسطيني لم يُقتل فقط بالقصف، بل بالجوع والحصار، ليبقى واحدًا من مفقودي الرياضة الفلسطينية في حرب الإبادة.


حلم كأس العالم الذي استُشهد في طابور المساعدات
سليمان العبيد، مهاجم المنتخب الوطني الفلسطيني، وأحد أبرز نجومه، استُشهد وهو ينتظر مساعدة غذائية لأطفاله، كان يحلم بأن يرى فلسطين في كأس العالم، وأن يلعب أبناؤه يومًا ما في ملاعب قريته المهجّرة .. استُشهد الجسد… وبقي الحلم وتحوّلت قصته إلى رمز لرياضي قُتل لأنه أراد أن يُطعم أبناءه، لا لأنه حمل سلاحًا.


الإعلامي الذي صار الخبر
لم يكن الإعلامي الرياضي محمد الدلو ناقلًا للمأساة فقط، بل أحد ضحاياها، نزح جنوبًا خلال الحرب، واستُشهد شقيقه دون وداع، ثم عاد ليبحث عن قبره بين الأنقاض، ولاحقًا، قُصف بيت العائلة، ففقد والده وعددًا من أقاربه، ورغم ذلك، واصل العمل، حوّل الكاميرا إلى سلاح، والصوت إلى جسر بين غزة والعالم، ليؤكد أن الإعلام الرياضي جزء من معركة الوعي والبقاء.


حين يتحول الرياضي إلى قائد إغاثي
في وقتٍ انهارت فيه المؤسسات وتعاظمت المأساة، برز الرياضي والإعلامي محمد محمود زقوت، لاعب خدمات دير البلح ونادي شباب الخليل والمنتخب الأولمبي الفلسطيني سابقًا، كنموذج استثنائي للقيادة والمسؤولية، حيث كُلّف بإدارة أكبر مركز إيواء تابع للأونروا في دير البلح، وقاد آلاف النازحين وسط ضغط هائل، وفوضى الحرب، وخطر دائم، وحوّل المركز إلى خلية عمل إنساني، ليجسّد نموذج الرياضي الذي لم يخلع قميصه الوطني، بل وسّعه ليشمل كل الناس، مؤكدًا أن الروح الرياضية حين تُختبر، تتحول إلى مسؤولية أخلاقية وإنسانية ووطنية.


الهوية التي لم تُقصف
في وقتٍ استهدف فيه الاحتلال الملاعب، وعرقل تنقل اللاعبين، واعتقل الرياضيين، واصل منتخب فلسطين الوطني مشواره، وتجمّع من مختلف بقاع الأرض، ليبقى عنوانًا للهوية الفلسطينية.
وحقق المنتخب إنجازات لافتة، أبرزها: بلوغ ربع نهائي كأس العرب – قطر 2025، الاقتراب من التأهل إلى الملحق الآسيوي المؤهل لكأس العالم، إنجازات لم تكن رياضية فقط، بل جرعات أمل لشعبٍ أنهكته الحرب.


المجد الذي خرج من الألم
تُعدّ البطلة بيسان محمد سليم، لاعبة المنتخب الوطني للتايكوندو ونادي غزة الرياضي، واحدة من أبرز النماذج المضيئة في المشهد الرياضي الفلسطيني خلال حرب الإبادة، خرجت بيسان من غزة مرافقة لوالدها الذي أُصيب جراء القصف الإسرائيلي، حاملةً معها وجع الفقد وأمل العودة.
توقفت عن التدريب لأشهر طويلة بفعل الحرب والنزوح، لكنها رفضت الاستسلام، واستأنفت تدريباتها بوسائل بدائية وفي أماكن ضيقة بعد خروجها من القطاع، وعادت إلى المنافسات أقوى، لتبدأ سلسلة من الإنجازات الدولية المتتالية باسم فلسطين، تُوّجت خلالها بذهبية بطولة ألبانيا الدولية 2025، وبرونزية كأس العرب، إلى جانب عدة ذهبيات عربية ودولية أخرى، لتتحول بيسان إلى رسالة أمل حية تُجسد قدرة الرياضة الفلسطينية على انتزاع المجد من قلب الألم.


الإنجاز تحت ثقل القلق
غادر الشقيقان محمد وحسام حمادة قطاع غزة قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب، للمشاركة في بطولات عربية ودولية للعبة رفع الأثقال، لكن مع اشتعال حرب الإبادة عاشا صراعًا نفسيًا يوميًا قاسيًا؛ قلقٌ دائم على العائلة، وخوف من الأخبار، وانقطاع للاتصال مع ذويهما لأشهر طويلة.
ورغم هذا الثقل النفسي، واصلا المنافسة وحققا إنجازات مشرفة، رافعين علم فلسطين في المحافل الرياضية، ليؤكدا أن الرياضة الفلسطينية لم تنفصل يومًا عن وجع شعبها، وأنها ما زالت صوت المقاومة الناعمة وامتدادًا لقوة غزة التي لا تُهزم.

 

وجعٌ مضاعف… قامات رياضية غيبتها حرب الإبادة
وفي خضمّ حرب الإبادة، لم تخسر الحركة الرياضية الفلسطينية في غزة ملاعبها ومنشآتها فحسب، بل فقدت قامات وطنية ورياضية عاشت الألم مضاعفًا؛ ألم المرض والبعد وألم الحرب معًا، أسماء حملت الرياضة الفلسطينية على أكتافها لسنوات طويلة، ووجدت نفسها فجأة في مواجهة النزوح والبعد، وانعدام العلاج، وقسوة الاستهداف.
ومن بين هذه القامات التي فقدتها الحركة الرياضية الأستاذ وليد أيوب، ومعمر بسيسو، وإسماعيل المصري، وناجي عجور، وأخرهم الرياضي الكبير علي أبو حسنين، الذين مثّلوا نماذج لرجال صمدوا بصمت، ودفعوا ثمن الحرب وهم يصارعون المرض، ليكون وجعهم شاهدًا إضافيًا على أن حرب الإبادة لم تفرّق بين لاعب ومريض، ولا بين ملعب وسرير علاج، وأن الخسارة في غزة كانت إنسانية ورياضية بامتياز.


وختاماً هنا، في غزة، لا تموت الرياضة حتى لو دُمّرت الملاعب، ولا ينكسر الرياضي حتى لو ثقل عليه الفقد، فالرياضي الفلسطيني يشبه طائر الفينيق؛ يُحرق كل يوم، لكنه يعود ليحمل راية فلسطين من جديد، فالرياضة في غزة ليست لعبة… إنها ذاكرة، وهوية، وصوت مقاومة ناعم، وصرخة حياة روحها الإنجازات.