بيب غوارديولا: حين تُسخَّرُ الشهرةُ لخدمةِ الضمير
وكالة فلسطين الرياضية - عبير كعابنة : لم تكن نصرةُ المظلوم والمطالبةُ بالعدالة يومًا حكرًا على منظمات حقوق الإنسان والحقوقيين، بل هي فطرةٌ إنسانيةٌ أصيلة تسكن القلوب الحيّة. وفي الوقت الذي يختار فيه البعض التجرّد منها بحجّة الحياد، يظهر من يتمسّك بها بوصفها فضيلةً إنسانيةً عابرةً للحدود الجغرافية، والعرق، واللغة.
بيب غوارديولا، مدرب مانشستر سيتي، لم يكن مجرّد مدربٍ تكتيكيٍّ حاصدٍ للألقاب، بل أثبت أن النجاح المهني لا ينبغي أن يُكبّل اللسان عن قول الحق. وعلى الرغم من البعد المكاني واختلاف الهوية، ظلّت بوصلته الأخلاقية تشير بوضوح نحو تلك البقعة الصغيرة على الخريطة التي تُسمّى غزة.
صوتٌ لمن غيّب الاحتلالُ أصواتهم
استغلّ بيب غوارديولا مكانته كشخصية رياضية عالمية تمتلك القدرة على التأثير وبصمةً وتاريخًا لا يُمحَيان في عالم كرة القدم، ليُوظّف هذه المكانة في خدمة مبادئه الإنسانية. ففي كل مرة اتجهت نحوه العدسات وأصغت إليه الآذان، كان يحرص على توجيهها نحو أطفال غزة.
في الرابع من أكتوبر من العام الماضي، ظهر غوارديولا في مقطعٍ مصوّر دعا فيه سكان مدينة برشلونة إلى المشاركة في المظاهرات المطالِبة بوقف الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، وقال:
"نشاهد إبادةً جماعيةً مباشرة قُتل فيها آلاف الأطفال، ويواجه آخرون خطر الموت. قطاع غزة مدمّر، وجموع من الناس تسير بلا مأوى، بلا طعام، وبلا ماء أو دواء".
وفي حوارٍ له مع مجلةٍ كتالونية، وصف غوارديولا الصمت الدولي تجاه ما يحدث في غزة بانعدام الإنسانية، مؤكدًا أن ما يجري هناك مؤلمٌ للغاية.
أما في شهر حزيران من العام الماضي، وأثناء تسلّمه درجة الدكتوراه الفخرية من جامعة مانشستر تقديرًا لنجاحاته مع فريق مانشستر سيتي، استغل غوارديولا المنصّة ليوجّه رسالةً أخلاقيةً إلى العالم، قال فيها في خطابه المؤثر مؤلمٌ جدًا ما نراه في غزة، يؤلم كل جزءٍ من جسدي. قد نظنّ أن رؤية أطفال في عمر الرابعة يُقتلون بالقنابل داخل مستشفيات لم تعد مستشفيات هو أمرٌ لا يعنينا، لكن انتبهوا؛ المرّة القادمة قد يكونون أطفالنا"
وقبيل المباراة التضامنية التي خاضها منتخبنا الوطني الأول لكرة القدم مع نظيره الكتالوني على ملعب مونتجويك في برشلونة، دعا المدرب الكتالوني الجماهير إلى ملء المدرجات، واصفًا اللقاء بأنه نداءٌ للتضامن وتكريم لشهداء الحركة الرياضية الفلسطينية الذين قتلهم الاحتلال خلال الحرب.
وقد لاقت كلمات هذا المدرب المتضامن تداولًا واسعًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث أشاد كثيرون بتصريحاته ومواقفه الإنسانية، ورفضه للصمت، مؤكدين أن فلسفته في الحياة تقوم على أن قوة الإنسان لا تُقاس بحجمه، بل بخياراته، وبحضوره، وبشجاعته في رفض الصمت.
بدأ جوارديولا مسيرته في عالم كرة القدم كلاعبٍ مع فريق برشلونة وحقق معه العديد من الألقاب، أبرزها الدوري الإسباني ودوري أبطال أوروبا والسوبر الأوروبي، كما مثل المنتخب الإسباني في العديد من المباريات الدولية، قبل أن ينتقل للدوري الإيطالي ومن ثم الأهلي القطري وصولًا للدوري المكسيكي كآخر محطة في مشواره كلاعب.
على الصعيد الرياضي، يُعدّ غوارديولا أحد أعظم المدربين في تاريخ كرة القدم، إذ قاد برشلونة، وبايرن ميونخ، ومانشستر سيتي لتحقيق إنجازات تاريخية، أبرزها السداسية مع برشلونة، والثلاثية التاريخية مع مانشستر سيتي، إضافة إلى عشرات الألقاب المحلية والقارية.
هذه الإنجازات التي حققها غوارديولا من محطته الأولى مع البارسا وصولًا إلى قيادة السيتي، جعلت المحللين يصنفونه كأحد أعظم المدربين حول العالم وأكثر المدربين نجاحًا، ليأتي ويضيف إلى ذلك أنه صاحب مبادئ وإنسان بالدرجة الأولى، إذ لم تثنه النجاحات والأضواء عن الإشارة إلى مكان الظلم وتوجيه أنظار العالم عما يحدث في غزة.
