الرياضية أون لاين : كتب خالد القواسمي - فلسطين
894 … الرقم الذي صار وجوها وصار ذاكرة وصار جرحا لا يغلق ليس الرقم ٨٩٤ مجرد سلسلة من الخانات التي تكتب في التقاريرولاهوإحصاء يمر في الأخبار.
إنه رقم يثقل الذاكرة كصخرة ويمتد في الوجدان كظل طويل لا ينتهي عند حدود الزمن.
منذ أكتوبر 2023، ومن قلب الحرب الممتدة على غزة غاب ٨٩٤ رياضيا من مختلف الكوادر اداريين ومدربين وقضاة ملاعب ولاعبين.
ثمانمئة وأربعة وتسعون إنسانا كانت لهم بصمات في عالم الرياضة الفلسطينية كانت لهم ملابس رياضية لم تجف من عرقهم بعد وأحلام مؤجلة كانت تنتظر صافرة بداية لا صافرة نهاية.
حين يتحول اللاعبون إلى غياب ثقيل والميادين إلى مقاعد فارغة في غزة لم يكن اللاعب يتدرب ليكسب مباراة فقط بل ليكسر جدارا من الحصار ويشق ثغرة في جدار العالم نحو الحياة.
لم يكن المدرب يصرخ على خط الملعب ليصحح خطة فنية بل لأنه يعرف أن كل لاعب أمامه يحمل قدرا أكبر من جوهره يحمل مدينته وحارته وطفولته ورغبة في أن يثبت أن الإنسان قادر على الركض رغم كل ما يطوقه لكن الحرب لم تصغِ لأحلامهم جاءت كعاصفة تقتلع السقف الذي يحمي اللاعبين والمقاعد التي تحتضن الجمهور واللوحات التي كانت تعلق عليها صور الأبطال الصغارذهبت أصوات كانت تسمع بين الشوطين.
وذهبت خطوات كانت تهز المدرجات الترابية وذهبت أحلام كانت تصاغ كل يوم داخل ملاعب لا تعرف الإسفلت لكنها تعرف الإصرار أكثر من أي ملعب آخر في العالم.
ثمن الحرب ليس الدمار فقط بل انطفاء من يحملون شعلة الحياة الفقد الرياضي ليس رقما يمكن تجاوزه لأنه فقد مباشر للروح.
هؤلاء الذين يكونون رقم ٨٩٤ كانوا الجزء الذي يثبت أن غزة ليست مجرد عنوان للمعاناة بل موطنا لمواهب تصنع بإمكانات قليلة وقلوب كبيرة رحل من كان يعد أطفاله بأن يصحبهم إلى التدريبات يوم الجمعة ورحل من كان يكتب خططه على ورقة لا تحتمل سوى الحبر والأمل ورحل من كان يقف حكما في مباراة لأطفال يجرون بأقدام صغيرة فوق رملٍ ساخن ظنّا منهم أن الرياضة قادرة أن تسرق شيئا من قسوة الحياة.
الأندية التي فقدت أعمدتها لا تنهار لكنها تنحني بصمت الأندية في غزة اليوم تشبه بيوتا بلا أعمدة منها مادمرومنها على شكل هياكل الفراغ في داخلها يعلق الأسئلة على الجدران.
مَن سيقود الفريق؟
من سيحضر اللاعبين؟
من سيصفر لبدء مباراة حين لا يعود من يضع الصافرة حول عنقه؟
إنّ غياب الرياضيين في مجتمع يعاني أصلا من الفقد يعني خسارة مؤسسات كاملة لا أفرادا فقطيعني انهيار شبكات من العلاقات وتوقف مشاريع بدأت بقلوب أكثر مما بدأت بموارد.
٨٩٤… رقم يطرق على جدار الوعي كل ليلة كل رقم منهم اسم وكل اسم منهم قصة وكل قصة منهم صفحة من كتاب لم يكمل آخر أسطره.
لهذا لا يمكن أن نستقبل هذا الرقم بلا تأمل ولا أن نمّ حوله كمن يعبر ظلا لا يعرف مصدره.
٨٩٤ هو رقم يلزمنا بأن نستعيد الوجوه والأحلام واللحظات التي صارت من الماضي قسرا لا طوعا.
حين تقصف الملاعب تبقى الروح اللاعب الوحيد الذي لا يهزم ومع ذلك كله وبشكل يكاد يكون معجزة تظل الرياضة في غزة تحاول أن تكتب فصلًا جديدا الأطفال ما زالوا يركلون الكرة وسط الركام والشباب ما زالوا يجرون في شوارع ضيقة بحثا عن لحظة نَفَس.
والأندية بما بقي من أفرادها ما زالت تحاول أن تبقي الروح في الجسد لأن الرياضة ليست ملعب....الملعب يمكن أن يقصف لكن الروح لا تُقصف.
٨٩٤… رقم لا يراد له أن يصير نسيانا
إن أكبر هزيمة يمكن أن يتلقاها الرياضي بعد الموت هي أن ينسى ومن واجب الذاكرة الفلسطينية والرياضية العربية والإنسانية جمعاء أن تحفظ أسماء الأبطال الذين تحلوا إلى أرقام.
وأن تجعل من الرقم ٨٩٤ ليس جرحًا فقط، بل وثيقةً على ما خسرته غزة من طاقات وما خسره العالم من أصوات كان يمكن أن تكون ضمن صناع المستقبل.
حمى الله فلسطيننا وغزتنا وشبابنا ورياضييها وكل ما فيها.
