رياضة فلسطينية عرض الخبر

من تحت رماد الحروب إلى منصات المجد.. بيسان سليم تكتب قصة فلسطين بالذهب

2025/11/12 الساعة 12:38 م

الرياضية أون لاين : غزة – كتب: حسام الغرباوي


من بين ركام الحرب ووجع الفقد، خرجت البطلة الفلسطينية بيسان محمد سليم، لاعبة المنتخب الوطني للتايكوندو ونادي غزة الرياضي، لتعيد رسم ملامح الأمل بالإنجاز، في واقعٍ مثقلٍ بالألم، خطّت بيسان اسمها بأحرفٍ من ذهب بعدما تُوّجت بالميدالية الذهبية في بطولة ألبانيا الدولية لعام 2025، لتؤكد أن فلسطين رغم الجراح قادرة على صناعة الفرح والإنجاز من بين الدمار.

فصلٌ من الإرادة.. بداية الحلم في غزة الرياضي
من بين جدران نادي غزة الرياضي العريق، ووسط أجواء العزيمة التي تميّز أبناء غزة، انطلقت الطفلة بيسان محمد سليم في رحلتها نحو الحلم وهي لم تتجاوز الخامسة من عمرها.
كانت خطواتها الصغيرة على بساط التايكوندو تحمل في طياتها إصرارًا يفوق عمرها بكثير، فقد رأت في الرياضة وسيلتها للتعبير عن القوة، ولتقول للعالم إن الطفولة في غزة تصنع البطولة رغم كل التحديات.
احتضنها المدربون بإيمانٍ بموهبتها الفريدة، فوجدوا فيها مزيجًا نادرًا من الذكاء الحركي والانضباط وروح التحدي، فأولوا تدريبها اهتمامًا خاصًا، وساعدوها على صقل مهاراتها الفنية والنفسية.
ومع مرور السنوات، بدأت بيسان تتألق في التدريبات والمنافسات المحلية، لتصبح اللاعبة الصغيرة التي يتحدث عنها الجميع داخل أروقة النادي والاتحاد.
لم يكن طريقها مفروشًا بالورود، فقد واجهت – مثل غيرها من أبطال غزة – صعوباتٍ في الإمكانيات والتجهيزات والظروف الأمنية، لكنها حولت كل ذلك إلى دافعٍ إضافي للاستمرار.
كانت تتدرّب في أوقات انقطاع الكهرباء، وتشارك في البطولات رغم قلة الموارد، لتبرهن أن الإرادة أقوى من كل الظروف.
ومع كل حركةٍ وكل ضربةٍ على البساط، كانت بيسان ترسم ملامح حلمٍ أكبر من حدود المكان، حلم أن ترفع علم فلسطين في البطولات الدولية، وأن تكون رسالةً صادقةً للعالم عن شعبٍ لا يعرف المستحيل.
وهكذا تحوّلت تلك الطفلة المليئة بالشغف إلى رمزٍ للأمل الرياضي الفلسطيني، وسفيرةٍ لروح غزة التي لا تنكسر.

إنجازات عنوانها الذهب وفلسطين في كل منصة
منذ بداياتها الأولى على بساط التايكوندو، لم تعرف بيسان محمد سليم طعم الهزيمة، فقد كانت الميدالية الذهبية رفيقتها الدائمة في البطولات المحلية داخل قطاع غزة، حيث تألقت في مختلف الفئات والمنافسات، مجسدةً نموذج اللاعبة الملتزمة والمقاتلة التي لا ترضى بغير القمة.
بات اسمها مرادفًا للنجاح والتميّز، وعنوانًا للذهب الفلسطيني في التايكوندو.
ولم يكن تفوقها في الميدان المحلي نهاية المطاف، بل كان جواز عبورها نحو المشاركات الدولية لتمثل فلسطين بشرفٍ واقتدار.
ومع كل بطولةٍ جديدة، كانت بيسان تحمل حقيبتها الصغيرة المملوءة بالأمل، وتضيف إلى رصيدها ميدالية جديدة ولونًا آخر من الفخر.
فها هي تتوّج بذهبية ألبانيا الدولية لعام 2025، لتعلن أن فلسطين قادرة على المنافسة في المحافل الأوروبية، ثم تعود لتنتزع برونزية كأس العرب وبطولة العرب في الإمارات، مؤكدة حضورها بين النخبة العربية.
ولم تتوقف عند هذا الحد، فواصلت مشوارها الذهبي بحصد ذهبية بطولة أبناء الأردن الدولية، تلتها ذهبية بطولة السفير الكوري في مصر، قبل أن تضع بصمتها الفضية في بطولة الجمهورية المصرية لعام 2025، وتختتم مسيرتها الأخيرة بإنجازٍ لامع حين نالت ذهبية بطولة KPNP لعام 2024، في مشهدٍ يُترجم روح المثابرة والتحدي الفلسطينية.
كل هذه الميداليات لم تكن مجرد قطعٍ معدنيةٍ تُعلّق على الصدر، بل كانت حكاية كفاحٍ طويلة وصرخة أملٍ من غزة إلى العالم، تقول إن الرياضة في فلسطين ليست مجرد مشاركة، بل مقاومة بلغةٍ حضاريةٍ راقية.
الأبطال هناك يحملون راية الوطن بأجسادٍ أنهكها الحصار والحروب، لكنها لم تعرف الانكسار يومًا.
وفي كل منصةٍ صعدتها بيسان، كانت فلسطين تصعد معها، ليرى العالم في تلك اللاعبة اليافعة روح شعبٍ لا يُهزم، ينهض من تحت الركام ليعانق الذهب، وليكتب بالعرق والعزيمة اسم الوطن في سجلات الشرف الرياضي العالمي.

قصة الحلم من غزة وصولًا إلى التتويج
خرجت بيسان من غزة خلال حرب الإبادة الأخيرة، مرافقةً لوالدها المصاب، تحمل في قلبها قهر الفقد ووجع الرحيل وأملًا خافتًا بأن تعود إلى أرضها وبيتها وملعبها يومًا ما.
كانت لحظات الخروج من الوطن مليئةً بالدموع والذهول، لكنها حملت في حقيبتها الصغيرة بدلتها الرياضية وحزامها الأسود، وكأنها كانت تدرك أن طريق العودة سيمرّ عبر البساط الذي أحبّته منذ طفولتها.
توقفت عن التدريب لفترةٍ طويلة حتى منتصف عام 2024 بسبب ظروف الإصابة والحرب، لكنها لم تتوقف عن الحلم.
تابعت التدريب في أضيق المساحات، مستعينةً بما يتاح من أدوات بسيطة، محافظةً على لياقتها وإصرارها رغم البعد عن وطنها ومدربيها.
لم يكن غيابها ضعفًا، بل استراحة مقاتلةٍ تُعدّ نفسها لجولةٍ جديدة، جولةٍ من البطولة والإصرار.
فعادت بيسان إلى الميادين أقوى مما كانت عليه، تحمل في عينيها بريق غزة، وفي قلبها عزيمة شعبٍ لا يُقهر، لتنتزع الميداليات واحدةً تلو الأخرى، وترفع اسم فلسطين عاليًا في المحافل الدولية، وكأنها تقول للعالم: "خرجت من تحت النار.. لأصنع من رمادها مجدًا جديدًا لفلسطين".

لحظات لا تُنسى في البحرين
من بين اللحظات التي ستظل محفورةً في ذاكرة بيسان وشعبها، حملها علم فلسطين في افتتاح دورة الألعاب الآسيوية للشباب في البحرين، وهو شرف لا يناله إلا من يجسد المعنى الحقيقي للعطاء والانتماء.
كانت تلك اللحظة دموعًا وفخرًا في آنٍ واحد، تُعلن أن فلسطين حاضرةٌ رغم الحصار، وأن أبطالها يحملون رايتها حيث يُمنع الوطن من الحضور.

بيسان.. نموذج فلسطين التي لا تُهزم
تمثل بيسان محمد سليم نموذجًا للأبطال الفلسطينيين الذين يتحدّون الألم والاحتلال ليصنعوا مجدًا لوطنهم.
خرجت من بين الركام لتحمل فلسطين إلى المنصات العالمية، لتقول للعالم: "قد يُحاصر الجسد، لكن الروح الفلسطينية لا تُقهر".
إنها ليست مجرد بطلة رياضية، بل سفيرة لفلسطين، ورمزٌ لجيلٍ من الشباب الذي يؤمن بأن الرياضة يمكن أن تكون سلاحًا ناعمًا في وجه الهمجية الإسرائيلية، ورسالة أملٍ من غزة إلى كل العالم، تؤكد عدالة قضيتنا وحقّنا في إقامة دولتنا الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف.