الرياضية أون لاين : غزة – يكتب: حسام الغرباوي
كانت الملاعب في غزة يومًا ما مسرحًا للفرح الفلسطيني، تُزيّنها أصوات الجماهير وهتافات الفوز، وتنبض بالحياة كلما دوّت صافرة حكم أو علت راية منافسة رياضية.
لكنّ مشهد اليوم مختلف تمامًا؛ فالملاعب التي احتضنت بطولاتٍ واحتفالاتٍ باتت مأوى للنازحين، تعجّ بالوجع واليأس والألم، بعدما حوّلتها آلة الحرب الإسرائيلية إلى رمادٍ ومراكز إيواءٍ تضم آلاف العائلات المكلومة.
توقف النشاط الرياضي قسرًا، بعدما كان يُمثّل رئة الحياة الاجتماعية للشباب الفلسطيني في غزة. ومع كل ملعبٍ دُمّر، وكل نادٍ تهدّم، كان يُسحق جزء من ذاكرة الرياضة الفلسطينية، تلك الذاكرة التي لم تعرف يومًا الاستسلام، وظلّت رغم الركام تُصرّ على البقاء.
نحو خطة إنقاذ شاملة
في مشهدٍ وطنيٍّ يجسّد الإرادة الفلسطينية، عقدت الأسرة الرياضية في المحافظات الجنوبية اجتماعًا موسعًا ضمّ المجلس الأعلى للشباب والرياضة، واللجنة الأولمبية الفلسطينية، ورؤساء الاتحادات والأندية، واللجان العاملة في المجال الرياضي، لمناقشة آليات إعادة دوران عجلة النشاط الرياضي تدريجيًا، ووضع خطة متكاملة لإعادة بناء وتأهيل المؤسسات والمنشآت الرياضية التي تضررت بفعل العدوان.
وخلال الاجتماع، أكد المشاركون أن الرياضة مكوّن أصيل وهام من مكوّنات شعبنا، بل هي جزء من هوية الشعب الفلسطيني وعنوان صموده الوطني. وجرى الاتفاق على ضرورة وضع تصور شامل لمرحلة التعافي الرياضي، يشمل تقييم الأضرار، وتحديد الأولويات، وإطلاق برامج دعم نفسي ورياضي للاعبين والكوادر المتضررة.
كما تم التشديد على ضرورة إشراك المجتمع المحلي والمؤسسات الدولية في جهود إعادة البناء، بما يضمن عودة الحياة إلى الملاعب والصالات ومراكز التدريب، باعتبارها فضاءات للأمل والانتماء والوحدة الوطنية.
“بالأمل نحيا”... الرياضة تعود إلى الميدان
ورغم الظروف الصعبة، أبت غزة إلا أن تُعيد للرياضة بريقها ولو بخطواتٍ رمزية تعبّر عن التمسك بالحياة. فقد نظّم نادي خدمات النصيرات يومًا رياضيًا متنوع الألعاب تحت شعار “بالأمل نحيا”، بمشاركة واسعة من اللاعبين والناشئين والأطفال الذين تحدّوا الألم بابتسامةٍ وإصرار.
تنوّعت فعاليات اليوم بين الألعاب الرياضية والترفيهية والمسابقات البدنية، مجسّدةً رسالةً مفادها أن الرياضة في غزة ستبقى حاضرة، مهما اشتدّت العواصف، وأنها جسر العودة إلى الحياة الطبيعية بعد شهورٍ من المعاناة والنزوح.
وشكّل هذا الحدث الرياضي بارقة أملٍ في نفوس الرياضيين، ورسالةً للعالم بأن غزة لا تموت، وأن الرياضة فيها ليست مجرد منافسة، بل فعل مقاومةٍ وصمودٍ وبناءٍ للإنسان الفلسطيني من جديد.
ذاكرة الصمود وميدان إعادة الحياة
تؤكد الوقائع أن الرياضة في غزة كانت وما زالت شريان حياةٍ للرياضة الفلسطينية، فهي التي أنجبت الأبطال، واحتضنت المواهب، وقدّمت التضحيات في سبيل رفع اسم فلسطين عاليًا في المحافل العربية والدولية.
واليوم، ومع تزايد الدعوات لإعادة إعمار البنية التحتية الرياضية، يتطلع الرياضيون إلى مرحلةٍ جديدة من النهوض، تُبنى فيها الملاعب من جديد، وتُعاد فيها البسمة إلى وجوه الأطفال الذين حوّلوا الركام إلى ملاعب صغيرة للأمل.
إنها معركة الإرادة والبقاء التي يخوضها القطاع الرياضي كما يخوضها الشعب الفلسطيني في كل ميدان، مؤمنين بأن الرياضة ليست مجرد نشاطٍ بدني، بل رسالة وطنية وإنسانية تزرع الحياة من تحت الرماد، وتؤكد أن الأمل ما زال ينبض في قلب غزة.
