رياضة فلسطينية عرض الخبر

سفراء وإخوة

2025/08/10 الساعة 12:43 م

الرياضية أون لاين : مصر

فى السنوات القليلة الماضية، بدأت ملامح جديدة تتشكل بهدوء فى مشهد كرة القدم المصرية، كان بطلها هذه المرة لاعبين قادمين من فلسطين، على رأسهم وسام أبوعلى، الذى أثار جدلًا واسعًا بانتقاله المفاجئ إلى الأهلى، مرورًا بأسماء أخرى بدأت تفرض نفسها تدريجيًا فى أندية الدورى الممتاز، وحتى القسم الثانى.

فجأة، لم يعد وجود اللاعب الفلسطينى فى الدورى المصرى حالة فردية أو استثناء نادرًا، بل تحوّل إلى ما يشبه الظاهرة، أو لنقل «الطفرة»، ما يدفع للتساؤل الجوهرى: هل نحن أمام مجرد موجة عابرة فرضتها ظروف السوق والأحداث الأخيرة، أم أن ما يحدث نتاج خطة مدروسة من الاتحاد الفلسطينى لكرة القدم لصناعة جيل تنافسى يمثل فلسطين على الساحة القارية والدولية؟

«الدستور» تواصلت مع عدد من اللاعبين والمدربين والصحفيين الفلسطينيين، لتحليل هذه الظاهرة، واستكشاف جذورها من الزوايا كلها، ومعرفة الدور الذى يلعبه الاتحاد الفلسطينى فى دعم أو تنظيم هذا التواجد الخارجى، وانعكاس هذه الطفرة على المنتخب الوطنى الفلسطينى، وغيرها من التفاصيل الأخرى.

فايز نصار: ظاهرة تعود إلى الستينيات ومروان كنفانى كان البداية

قال فايز نصار، واحد من أقدم الصحفيين الفلسطينيين، إن اهتمام الكرة المصرية باللاعب الفلسطينى ليس وليد اللحظة، بل بدأ فى ستينيات القرن الماضى، وتحديدًا خلال فترة الوحدة بين مصر وسوريا، التى انتقل خلالها عدد من اللاعبين الفلسطينيين المقيمين فى الإقليم السورى إلى الأندية المصرية.

وأوضح «نصار» أن أبرز هؤلاء اللاعبين مروان كنفانى، الذى حمل شارة قيادة الأهلى ولعب مباريات ودية مع المنتخب المصرى، إلى جانب فؤاد أبوغيدة، المعروف بـ«صاحب الرأس الذهبية»، والمدافع فيصل بيبى، والمهاجم إبراهيم المغربى الذى احترف لاحقًا فى اليونان والزمالك، إلى جانب سميح السمرى، الذى اختير ضمن منتخب نجوم العرب، وشقيقه حسام السمرى، وعبدالقادر بخيت المعروف بـ«بيليه الأسمرانى»، ونبيل الشامى.

وأضاف: «فى السنوات الأخيرة، بدا واضحًا وجود اهتمام رسمى وإعلامى باللاعب الفلسطينى، ويبرز ذلك من خلال وسام أبوعلى، الذى أرى أنه لم يتألق لاعب فلسطينى فى الكرة المصرية كما فعل هو، مستفيدًا باللعب فى نادٍ كبير مثل الأهلى، ما أتاح له الظهور على الساحة القارية، ولفت الأنظار إليه بفضل حجم وجماهيرية النادى».

ونبه إلى عدم اقتصار تجربة اللاعب الفلسطينى على مصر، فهناك دول عربية أخرى تمنحه نفس معاملة اللاعب المحلى، مثل قطر والأردن وليبيا، ما ساعد على بروز العديد من المواهب التى تشكّل جزءًا أساسيًا من المنتخب الفلسطينى. وواصل: «اللاعب الفلسطينى يمتلك المهارة واللياقة والقدرة على التطور، وما ينقصه فقط توفر الفرصة والبيئة المستقرة. ومع الدعم المناسب، بإمكانه المنافسة وتحقيق الكثير»، مشيرًا إلى أن الجيل الحالى يضم العديد من الأسماء الواعدة التى تحظى بمتابعة من الأندية العربية.

وأكمل: «هناك أسد حملاوى الذى انتقل إلى الدورى الرومانى بعد مفاوضات مع أندية مصرية، وأدهم دغيمى صاحب الهدف الشهير فى مرمى أتلتيكو مدريد، وعدى الدباغ المتوج بالدورى الإسكتلندى مع أبردين وانتقل إلى الزمالك، بالإضافة إلى حامد حمدان، لاعب بتروچت، المطلوب من أندية كبيرة مثل الزمالك وبيراميدز، إلى جانب مصعب البطاط وتامر صيام ورامى حمادة».

مصعب البطاط: المسابقة ذات قيمة فنية عالية

أكد مصعب البطاط، قائد منتخب فلسطين الحالى لاعب سيراميكا كليوباترا السابق، أن انتقاله إلى الدورى المصرى شكّل محطة فارقة فى مسيرته الكروية، مشيرًا إلى أن الاختيار لم يكن عبثيًا، بل جاء لما يتمتع به هذا الدورى من سمعة طيبة وقيمة فنية عالية، سواء على مستوى الأندية أو اللاعبين، إضافة إلى جماهيريته الواسعة، حتى فى فلسطين.

وقال «البطاط»: «الانتقال من الدورى الفلسطينى إلى المصرى نقلة نوعية بالنسبة لى. فى مصر، وجدت أجواء احترافية ومنضبطة ساعدتنى على تطوير مستواى بسرعة، وتأقلمت سريعًا دون أى صعوبات، وسط اهتمام كبير من الجميع. لعبت مباريات ذات نسق سريع وأمام جماهير كبيرة، خاصة مواجهة القطبين الأهلى والزمالك، ما ساعدنى على رفع أدائى والانتشار إعلاميًا. لم أشعر يومًا أننى بعيد عن وطنى، مصر احتضنتنى كلاعب فلسطينى، ولمست الترحيب أينما ذهبت، سواء كنت لاعبًا أو حتى مجرد فلسطينى يعيش على أرضها».

وانتقل للحديث عن المنتخب: «منتخب فلسطين هو الحلم والواجهة. قميص (الفدائى) ثقيل، لا يرتديه إلا من هو مستعد للتضحية من أجل فلسطين. تمثيل فلسطين شرف لا يُقدّر بثمن، ولا يمكننى تخيل اللعب تحت راية أخرى. اليوم أحمل شارة القيادة، وهذا يمنحنى شعورًا بالفخر والمسئولية».

ووصف الجيل الحالى للمنتخب بأنه «الأفضل فى تاريخ الكرة الفلسطينية»، مضيفًا: «حققنا إنجازات تاريخية رغم الظروف القاسية. تأهلنا لأول مرة إلى الدور الثانى من كأس آسيا ٢٠٢٣، وكنا على بعد صافرة واحدة من بلوغ ملحق تصفيات كأس العالم ٢٠٢٦. ما حققه هذا الجيل، فى ظل الحرب، وخسارة العديد من اللاعبين والمنشآت الرياضية، يعد معجزة بكل المقاييس».

وأضاف: «ظروفنا كفلسطينيين صعبة جدًا، أهلنا فى غزة يواجهون الإبادة، والضفة تعانى من الحواجز والإغلاقات، ولاعبونا فى أراضى ٤٨ يتعرضون لحملات ممنهجة، ورغم ذلك، حين نرتدى قميص المنتخب، نضع كل هذه المعاناة أمام أعيننا، ونلعب لأجل من فقدوا كل شىء، لنرسم البسمة على وجوه شعبنا».

قبل أن يختتم بالإشادة بزميله وسام أبوعلى، معتبرًا أن نجاحه مع الأهلى سيكون دافعًا لكثير من اللاعبين الفلسطينيين للانضمام إلى الدورى المصرى.

صائب جندية: أندية بحجم الأهلى تساعد لاعبينا على التألق

اعتبر صائب جندية، قائد منتخب فلسطين السابق أحد أبرز رموز الكرة الفلسطينية، أن الأندية والاتحادات العربية مطالبة بمنح اللاعب الفلسطينى صفة «اللاعب المحلى»، ما يفتح أمامه أبواب المشاركة فى البطولات المحلية، ويمنحه فرصة لتطوير مستواه من خلال اللعب المنتظم فى دوريات قوية مثل الدورى المصرى والأردنى والقطرى والليبى.

وأضاف «جندية»: «هناك مجموعة من اللاعبين الفلسطينيين يمتلكون الإمكانات للمشاركة وتقديم مستويات مميزة فى الأندية العربية، والمشاركة فى دوريات منتظمة واحترافية تسهم بشكل مباشر فى تطور المنتخب الوطنى». وواصل: «ما يتوافر للاعب الفلسطينى اليوم، من دعم واحتراف ومشاركات خارجية، لم يكن متاحًا فى العقود الماضية. رغم وجود لاعبين مميزين آنذاك.. انتظام المسابقات فى السنوات الأخيرة، وانضمام لاعبى الشتات والمحترفين، أسهما فى ظهور المنتخب بشكل قوى».

صلاح الجعبرى:  مصر نموذج كروى احترافى.. ولاعبونا يناضلون

رأى صلاح الجعبرى، عضو مجلس إدارة الاتحاد الفلسطينى لكرة القدم، أن وجود اللاعبين الفلسطينيين فى الدورى المصرى طبيعى، خاصة أن هذا الدورى يعد نموذجًا للاحتراف فى المنطقة، وكان دائمًا محط اهتمام ومتابعة فى فلسطين منذ سنوات طويلة، لذا لا يستغرب وجود لاعبين فلسطينيين ينشطون فيه بانتظام.

وأضاف «الجعبرى»: «الاتحاد الفلسطينى يعمل على خارطة عمل لمتابعة المحترفين، ومنذ تولّى جبريل الرجوب رئاسته، أولى الاتحاد اهتمامًا خاصًا بالدوريات العربية، خاصة تلك القريبة جغرافيًا من فلسطين، مثل المصرى والأردنى، ما ساعد بشكل كبير فى توسيع قاعدة الاختيار للمنتخب الفلسطينى، خاصة فى ظل الظروف السياسية التى أثّرت على إقامة الدورى المحلى، إذ لم يُنظم دورى فلسطينى منذ عامين بسبب العدوان المتواصل على غزة». وواصل: «الاتحاد الفلسطينى أصبح أكثر انفتاحًا على اللاعبين المحترفين فى الخارج، خاصة فى السنوات الأخيرة، وهذا انعكس إيجابًا على أداء المنتخب الوطنى، فقد بات واضحًا أن الاعتماد على اللاعبين المحترفين فى الدوريات العربية أسهم فى رفع جودة الأداء، وظهر ذلك جليًا فى البطولات الآسيوية والعربية التى شارك فيها المنتخب، حيث أصبح يُنظر إليه كمنافس حقيقى وليس كمجرد مشارك». وأكمل: «فى ظل الحرب، تزداد أهمية اللاعب الفلسطينى المحترف، سواء فى الداخل أو الخارج، إذ يمثل رسالة وطنية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، فهؤلاء اللاعبون يعدون (فدائيى المنتخب)، يحملون علم فلسطين فى المحافل الدولية، ويجسدون صورة النضال الفلسطينى من خلال الرياضة». وعن مسألة «ازدواج الجنسية»، قال «الجعبرى»: «حق طبيعى لأى لاعب يمتلك أكثر من جنسية وله أصول فلسطينية، بل إن هذا يمثل دافعًا إضافيًا للاعبين من أصول فلسطينية لتمثيل منتخب بلادهم الأم، وهو حلم يراود العديد منهم»، مشددًا على أن «اللاعب الفلسطينى بات مطلوبًا بشكل متزايد فى الدوريات الآسيوية والإفريقية، بل حتى فى بعض الدوريات الأوروبية، ما يعد دليلًا على جودة المواهب الفلسطينية رغم الظروف الصعبة».

محمد السويركى: إضافة للكرة الفلسطينية فى ظل قوة المنافسة

وصف محمد السويركى، لاعب اتحاد الشجاعية السابق، وجود اللاعبين الفلسطينيين فى الدورى المصرى بأنه إضافة حقيقية للكرة الفلسطينية، فى ظل انتظام البطولات وقوة المنافسة فى مصر، ما ينعكس إيجابًا على المنتخب الوطنى الفلسطينى. وقال «السويركى»: «تجربة اللاعب الفلسطينى فى الخارج مفيدة للغاية، خاصة فى دوريات منتظمة ومحترفة مثل الدورى المصرى، الذى يسهم فى تطوير إمكانات هؤلاء اللاعبين بشكل مباشر، خاصة إذا كان يتمتع بقدرات فنية وتهديفية عالية مثل وسام أبوعلى، أو فى مراكز أخرى مثل الحراسة كما رأينا سابقًا مع رمزى صالح».

وأضاف: «كل لاعب يملك موهبة واضحة عليه البحث عن الاحتراف فى الخارج لاكتساب خبرة أوسع»، معتبرًا أن «المنتخب الفلسطينى يسير فى الاتجاه الصحيح، رغم الصعوبات، بفضل وجود لاعبين محترفين فى الخارج، واستعدادات جيدة قبل كل استحقاق رسمى».

وواصل: «لا يوجد مستحيل أمام اللاعب الفلسطينى. نطمح لتحقيق ألقاب قارية وآسيوية، ولدينا الإمكانات إذا توافرت الظروف المناسبة»، معتبرًا أن «اللاعب الفلسطينى يتأقلم على واقع استثنائى لا يشبه أى مكان آخر فى العالم، لكنه كأهله جميعًا يتعامل مع الظروف كجزء من واقعه، ويستمد منها القوة».

كامل غريب: مصر شجعت لاعبينا على الاحتراف بقرار «المعاملة المحلية»

قال الصحفى الفلسطينى كامل غريب إن العلاقة التاريخية والجغرافية بين مصر وفلسطين شكلت الأساس لاهتمام الأندية المصرية بضم اللاعبين الفلسطينيين، بدءًا من الستينيات مع انضمام فؤاد أبوغيدة ومروان كنفانى إلى الأهلى، مرورًا بمصطفى نجم، ثم رمزى صالح الذى مثّل نقلة نوعية، وأثبت نجومية اللاعب الفلسطينى فى مصر.

وأضاف «غريب»: «اعتماد الاتحاد المصرى اللاعب الفلسطينى كلاعب محلى كان له دور كبير فى تعزيز فرص الاحتراف، وزيادة الإقبال عليه، واللاعب الفلسطينى أثبت كفاءة واضحة فى الدورى المصرى، مع نجاحات ملحوظة لأسماء مثل رمزى صالح ووسام أبوعلى وحامد حمدان».

وواصل: «نسبة النجاح تتجاوز ٦٠٪، ويعتبر وسام أبوعلى أبرز من ترك بصمة قوية فى العصر الحديث بفضل أدائه مع الأهلى»، معتبرًا أن الجيل الحالى يستفيد من تطور الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى فى تسليط الضوء عليه.

وأكمل: «نجاح المنتخب الفلسطينى فى تصفيات كأس العالم وكأس آسيا أسهم فى رفع أسهم اللاعبين الفلسطينيين، وزاد من اهتمام الأندية المصرية بهم، خاصة أن تسجيلهم كلاعبين محليين يمنحهم أفضلية قانونية، ما رفع من اهتمام الوكلاء وشركات التسويق بلاعبين فلسطينيين ينشطون فى أوروبا وتشيلى، مثل آدم كايد وعمر فرج وعدى الدباغ».

وتابع: «اللاعب الفلسطينى يتميز بعزيمته وإصراره النابع من معاناته اليومية، ما يمنحه دافعًا قويًا للتفوق، وهو لديه مقومات النجاح العربى والعالمى إذا توافرت له الرعاية والاهتمام».

ناصر دحبور:  على الأندية العربية وضع نجومنا ضمن أولويات التعاقد

أكد ناصر دحبور، اللاعب السابق والمدرب الحالى لمنتخب فلسطين للسيدات، أن قرار الاتحاد المصرى باعتماد اللاعب الفلسطينى كلاعب محلى ساعد على رفع مستوى التنافس، وزاد من فرص ظهور المواهب الفلسطينية، مشيرًا إلى أن «اللاعب الفلسطينى يتميز بالإصرار والإرادة المرتبطة بوعيه الوطنى، وهى صفات تسبق حتى المهارات الفنية».

وأضاف «دحبور»: «الجيل الحالى قادر على حصد الألقاب، بفضل تطور المسابقات وقوة الاحتكاك»، مشددًا على أهمية الاحتراف المبكر لاكتساب العقلية الاحترافية، داعيًا الأندية العربية إلى وضع اللاعب الفلسطينى ضمن أولويات التعاقد، لما يتمتع به من ذكاء وطموح وتحدٍ دائم. ووصف وسام أبوعلى بأنه نموذج ناجح ومؤثر، لكنه يرى أن نجاحه جزء من سلسلة متكاملة تشمل لاعبين أمثال عدى الدباغ وعدى خروب، مشددًا على أن «الاحتراف بالنسبة للاعب الفلسطينى ليس فقط طموحًا رياضيًا، بل رسالة وطنية يمثل بها شعبه وقضيته فى كل مكان».