في المَرمى
معاناة نجوم غزّتنا
فايز نصّار- المحرر الرياضي بصحيفة القدس
بين الفينة والأخرى أتواصل مع من كُتبت له النجاة من حرب الإبادة في قطاعنا الحبيب، لتحسس أوجاع رفاق الملاعب، ممن زرعوا رايات الرياضة الفلسطينيّة في القمة، وتركوا أنصع البصمات في دفتر الزمن الرياضيّ الجميل.
لم تكن أوضاع رياضيي غزّة ورديّة قبل اندلاع الحرب المسعورة في السابع من تشرين أول الماضي، لأنّ نجوم الرياضة هناك، عانوا- مثل أبناء شعبهم- من تبعات الحصار الظالم، الذي طوّق غزّة بأسوار الظلم الباستيليّة.
كان رياضيو غزّة بالكاد يدبرون أمورهم المعيشية، فقتّلت قذائف العدوان الجديد أكثر من أربعمئة منهم، ليركب من ينتظر الشهادة الريح، باحثاً عن ملاذ آمن، حاملاً معه ما تيسر من حاجاته الأساسية على عربة البغل، التي تمثل أحد معالم الفقر هناك.
ظنّ رياضيو غزّة أنّ الحرب ستكون خاطفة مثل سابقاتهم، وكانوا ينتظرون كلّ يوم أن يتوقف العدوان، الذي وصلت أيامه المؤلمة إلى 250 يوماً بالتمام والكمال، بما أرغم نجوماً مثل ناجي عجور، وزكريا مهدي، واسماعيل مطر، وعبد القادر الأبزل، وفريد الخطيب، وزياد الكرد على النجاة بأنفسهم، متألمين على بيوتهم التي هدّمت، ومدنّهم التي دمرّت، ناجين بأنفسهم من وحش الجوّ، الذي غير معالم الحياة، وأكل ما تيسر له من لحم الرياضيين وغير الرياضيين.
تنقلُ لنا أخبارُ غزّة مشاهد لنجوم اعتلوا المنصات يبحثون عن خيامهم تقيهم من عاديات الشتاء، وتدثر أبناءهم من برده القارس، وتنقل مشاهد أخرى لفرسان بهروا الدنيا في الملاعب تغيرت ملامحهم، ويقضون وقتهم في حساب ما تبقى لهم من دقائق، والبحث عّما يسدون به رمق أطفال بذات المواصي.
حدثني نجم شباب رفح فريد الخطيب عن جلسات يختلس خلالها نازحو الرياضة فرص اللقاء ببعضهم، فيكون الحديث ذا شجون، ويتسع النقاش، ليشمل الأوضاع السيئة، التي يعيشها أهل غزة بشكل عام، ووضع الرياضيين السيء بشكل خاص.
وينقل أبو أحمد أخباراً عن كثير من اللاعبين، الذين مثلوا فلسطين، وكانوا كباتن أنديتهم، ولا يملكون خياماً، وهم بحاجة ماسّة للشوادر، التي تحمي الخيام من البرد والمطر.
في شمال القطاع ، وفي مواصي خانيونس، وفي دير البلح، والنصيرات، وفي كلّ مكان أوى إليه نجومنا المبدعين تلمح المشاهدُ صبراً غير مسبوق، يسطِّر ملحمة الصمود الفلسطينيّ، ومنه ما يتعلق بالحالة الرياضيّة، لأنّ قطاع الشباب والرياضة دفع ثمناً غالياً في هذا العدوان، بما يقتضي أن ننتصر- كأفراد ومؤسسات- للرياضيين، الذين عضّهم العدوان بنابه، وكلّ واحد منّا يعرف واجبه.
نعترف أنّ العجز يقتلنا، ولا نملك إلا الدعاء لأهلنا الصابرين، ولكنّ الدعاء وحده لا يكفي، لأنّ من لعبنا معهم في الملاعب يعانون، ومن صفقنا لهم في منتخباتنا بحاجة إلى الدعم بكافة أشكاله.
