أهم الأخبار عرض الخبر

نجوم المنافي

2024/08/14 الساعة 02:14 م

في المرمى

 

نُجومُ المَنافي

 

فايز نصّار

غريبٌ أمرُ شّبابنا، الذين تَرَبوا في مدرسةِ "هَب جنةَ الخُلد اليَمن، لا شيءَ يعدلُ الوَطن" فأتى عليهم حينٌ من الدهرِ أصبحوا يفعلونَ غيرَ ما يَحفَظون، حتى ذهبَ مُذهلُ مسرحياتِ دريد لحام محمد الماغوط، إلى أنّهُ سَيَخونُ وَطنه! 

يبررُ الماغوطُ هذا النَحوَ الغريبِ بكونِهِ لا يريدُ الدِفاعَ عن وطنٍ لا بيتَ له فيهِ، وليس فيه مُستوصفٌ يُعالجُ أطفالَه، ليجِدَ الحَلَّ في الهِجرةِ، لأنَّ المُبدع كالنَهرِ الجاري متى استقرَ تَعفن، معتقداً أنَّ ثروات الوطنِ إلى زوال، لأنّهُ بعدَ أن تَذهبَ تُخمةُ البترول، لن يبقى لنا إلا الكولسترول. 

كثيرٌ من شبابِنا يَجلِدون الوَطنَ بجَريرةِ المَسؤولين، وذروة تفكيرِهم تأشيرةً إلى كندا، ومن لم يستطع ركبَ البحرَ في قَواربِ الموتِ، التي أكلت فلذات أَكبادِنا، ممن يستغرقون في سردِ عيوبِ أوروبا، ويَصبونَ اللعناتِ عليها، ولكنّهم يهاجرونَ إليها بحثاً عن الخِدمة فيها، ويحفظونَ أموالهَم في بُنوكِها، إذا قُدر لهم تولي مَسؤولية، وحصلوا على مَسروقٍ من دمِّ الشعب!

لستُ أدري إن كانَ حارسا مرمى تونس عزيز السلامي وعبد القادر العيادي سَمِعا ما قالَهَ الماغوط عن حِكايةِ الوَطن، الذي أغضَبَهُ عليه فسادُ أولي الأمر، ولكنّ أن يتركَ الشبابُ تونسَ الشابِيَّة، بحثاً عن فتات خُبزةِ في القارةِ العَجوز، التي تأكلُ أعمارَ شَبابِنا، ممن كانَ يجبُ عليهم أن يتحملوا، حتى يأتي اللهُ بأمرِهِ، فهذهِ مُشكلة!

كَشفَ أولمبيادُ باريس، الذي أُسدلت ستائِرُهُ قبلَ يومين معلوماتٍ صادمةٍ، عن عربٍ جلبوا المعادنَ النَفيسةَ لدولٍ غيرِ عَربية، ومعظم هؤلاء من أبناءِ الُعمالِ العربِ في أوروبا، أو من راكبي قواربِ الطُرقِ البَحريّةِ الالتفافيّةِ، التي يغرقُ معظمُها قبلَ الوصولِ إلى شواطئِ القارة العَتيقة.

خُذّ عينة المغرب، الذي طالما أفرَحنا أبطالُه في الدَوراتِ الأَولمبيّة، وخَرجَ من باريس بذهبيّةِ البقالي، وبرونزيّةِ كرةِ القدم، فيما جَلَبَ كثيٌر ممن يَحمِلونَ الجيناتِ الاطلسيّةِ الميداليات للآخرين.

جلبت شيرين بوكيلي لفرنسا ذهبيةً وبرونزيةً، ونال وليد خيار بألوانِ فرنسا ذهبيّةً في الجودو، وظفر سفيان أوميحا ببرونزيّةٍ في الملاكمة لفرنسا أيضاً، فيما جَلبت سارة باتوكليلي فضيّةَ سباق 10000 م لإيطاليا، وجَلبَ أيوبُ الغضفة فضيّةً في المُلاكمةِ لإسبانيا، وجلبت المُحَجبةُ سارة الشعري برونزيّةً في الجودو لبلجيكا، بمجموعٍ يصلُ إلى ذهبيتين، وفضيتين، وثلاث برونزيات. 

لا يقتصرُ الأَمرُ على المغربِ، فالجزائر وتونس ومصر، ودول بلادِ الشام والعراقِ واليمنِ والسودان، كلّها كان يجبُ أن تُحافظَ على مَواهِبها من المُغتربين، وهذا الدور يجبُ أن تَطَّلعَ به الجهاتُ الرِياضيَةُ، التي يجبُ أن تُشكلَ لِجاناً مِهنيةً لِرَصدِ مواهبِ الغُربة، وعلى السفاراتِ أن تَطَّلع بَدورِها في هذا المَجال، لأنَّ من صميمِ عملِها مراقبةَ تألقِ شبابِ الوطنِ رياضيّا، قبل مراقبةِ سلوكِهم السياسيّ.

شَعرٌ كثيرٌ سَيَنبُتُ على ألسنَتِنا، ونحنُ نُطالبُ باستخلاصِ العِبرِ بعدَ كلِّ أولمبياد، ولكنّ يبدو أنّ صرخةَ قارعي الجَرس في واد، لأنّ من عَلمونا أنّ: “وطني لو شُغِلتُ بالخُلدِ عنّه .. نازعتني إليه في الخُلدِ نَفسي” هم أنفُسهَم من يعملون -عن قصدٍ أو بلا قصد- لجعلِ الشباب ينقُمونَ على هذا الوَطن!