في المرمى
غَزَّة التي في خَاطِري
فايز نصّار
كان آخرُ لقاءٍ لي في غزّةَ هاشِم قبلَ أيامٍ من جائحةِ كورونا، عندما لعبَ الخَلايلة مع الخَوانسة في رفَح نهائيَّ بطولةِ طوكيو للواعِدين، التي رعتّها اليابانُ الصديقة. بعد خمسِ سنواتٍ أو يزيد، أذكرُ اللقاءاتِ الحَميميّةِ مع الزملاءِ الرياضيين، الذينَ عَرفتهم، ولا أنساهم، ومنهم من قضى نَحبه، ومِنهم مّن يواصلُ حَملَ الَأمانةِ، بكلِّ كَفاءةٍ ونَزاهةِ والتزام . أجزمُ أنّ غزّةَ- التي طالما كانت الخندق الأماميّ لكلِّ مواقعِ النضال والإبداعِ الفلسطينيّ – لم تَغِب عن خاطري، وخاطرِ الخيريينَ في هذا البلد، لأنها - والله يشهدُ- وفيةٌ لفِلسطينِيتها وعُروبتِها وأصالتِها، تماماَ كما أنّ أبناءَها المُخلصين ينتمونَ بانضباطِ ووعيٍّ للمشروعِ الوطنيِّ الرياضيّ الفلسطينيّ، والرياضة- كما أثبتت الأيامُ- صفحةٌ مضيئةٌ في هذا المشروع، الذي يلتفُ حولَه كلُّ الفلسطينيين. مرت الأيام .. وواصلت غزَّةُ الاطلاعَ بدورِها، وواصلَ نشامى غزة الاطلاعَ بِمهامِهم الجَسيمة، وإن اختلفت المَهام، وتغيرت المَواقع، مؤكدين تجندهم بإخلاصٍ في صميمِ الحِراكِ الرياضيّ، الذي كان ارهاصَ النهضةِ الرياضيّةِ الشاملةِ، التي يطلعُ بها الفريقٌ جبريل الرجوب. مع انطلاقِ النهضةِ الرياضيّةِ الفلسطينية، كان الإعلاميونَ في المحافظاتِ الجنوبيّةِ جزءاً من حِراكها، وعبروا عن انخراطِهم في صميمِها، ولمحت شخصياً حقيقةَ انتمائِهم للحدثِ الرياضيّ الناضجِ، من خلالِ متابعاتِ من يَتقدم الصُفوف من الإعلاميين الغّزّييّن، الذين لم يغير العدوانُ نبضَهم، ولم تؤثر المعاناةُ على عطائِهم. هذا الانتماء لفرسانِ القلمِ في غّزَّتِنا، كان جزءٌ من المنظومةِ الرياضيّةِ الرائدةِ في قطاعِنا، ولم تتزعزع ثقتُنا بِه يوماً، وما زِلنا نقدرُ كلً حرفٍ كتبهُ الإِعلاميونَ الغزّيّون، ممن يشاركونَ في الدفاعِ عن جِدارِنا الأخير، قربَ أنقاضِ ما تبقى من شيخِ الملاعبِ اليرموك، وعلى مقرُبَةٍ من ستادِ الدُرّة، الذي داسهُ بسطارُ الجنديِّ الغَريب. بالخيرِ نذكرُ إبداعاتِ رفاقِ المعاناةِ في عمومِ المحافظاتِ الجنوبيَّة، نثقُ بأنَّ الحربَ المسعورةَ ستتوقف، وأنّ سياط العقوبة ستنالُ أعداءَ غزّة. نثِقُ بأنَّ غّزّةَ ستنهضُ من تحتِ الرُكام، وأنَّ رياضييها سيتَقَدمون الصفوفَ في معركةِ إعادةِ البناء، وأنَّ من ستكتب له النجاةُ من هذهِ الإبادة، سيخرجُ شامخاً من بينِ الأنقاضِ، ويشمِّرُ عن سواعدِ الجدِّ، ويشاركُ في زرعِ باقاتِ الأملِ، التي تقتلُ الأعداءَ أكثرَ من غيرها. ستبقى غّزَّةَ "مكوفلة" بالنار، وستبقى نساؤُها قبلَ الرجالِ تدافعُ عن جدارِنا الأخير، وترسمُ على رملِ بحرِها من شعاعِ الشمسِ باقةً تزيِّنُ غزةَ الفلسطينية، التي في خاطِري.
