في المرمى
من فمكم ندينكم
فايز نصّار
صدقَ الرسولُ الأَكرم، الذي قال:" ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا"، وكلامُ أبي القاسم عليهِ السَلام، يبدو مفصلاً على مَقاسِ كَثيرٍ من المَسؤولين في هذا العالم غيرِ المتوازن، الذي يتَّبِعُ الهَوى، ويَقيسُ بموازينَ متعددة، وفقاً للمَصالح، التي كثيراً ما أَضرت بالغَلابى.
خُذ مثلاً ، تصريح رجل فرنسا الأول إيمانويل ماكرون، الذي تستضيف بلادَهُ الفَعاليات الأولمبيّة: "لا نُمارسُ السياسةَ في الأَلعاب".
ضعَ أَلفَ خطٍّ تحتَ التصريحِ غيرِ الدَقيق، الذي يعكسُ غيابَ المِصداقيّة، لأنّ السياسةَ لا مكانَ لها في الملاعب عندما يريدون.. وهي سلاح الحقيقة والإنسانية، ومقاومة العدوان عندما يريدون.
بصراحة تَمنيتُ لو حَضرتُ المؤتمرِ الصَحفي، الذي قال فيه ماكرون هذا الكلام، لأسألَهُ عن سببِ حرمانِ روسيا وبيلاروسيا من المشاركة؟ اليس الحرب في أوكرانيا مسيو ماكرون؟ ولماذا قاطعت الدولُ الغَربيّةُ أولمبياد موسكو 1980، أليس بسببِ الحربِ في أفغانستان؟ وقبل ذلك، لماذا قاطعت الدولُ الافريقية أولمبياد مونتريال 1976، أليس بسبب سياسة الأربارتيد في جنوبِ افريقيا؟
وقبل مئةِ عامٍ في باريس بالذات: لماذا حُرِمت المانيا - بلدُ رئيس اللجنة الأولمبيّة الدوليّة - من المشاركةِ في الفعاليات الرياضية؟ وقبلها بأربع سنوات لماذا حرمت دول المحور من المشاركة في أولمبياد انتويرب، أليس بسببِ الحربِ الكونيةِ الأولى؟
قد يفهمُ البعضُ ما قالَهُ الرجلُ السياسيّ، وكلّكم تعرفون أنّ في السياسة أمورٌ غريبةٌ تحصلُ وفق مصالح الدول، ولكن كيفَ نفهمُ عزف رجل الأولمبياد الأول توماس باخ على الطبلةِ نفسها، بقوله: "لسنا في العمل السياسي، نحن هنا لإنجاز مهمّتنا المتمثلة في جمع الرياضيين "، متهرباً من موضوعِ العدوانِ المستمرِّ على الشعب الفلسطيني، وعدم معاملةِ إسرائيل مثل روسيا وبيلاروسيا بأنه "لا يمكنُ مقارنةُ" الحالتين.
ضع ألف خطّ آخر تحتَ تبريرِ باخ، وما هي المَعاييرُ التي تعتمدها الأولمبيّة الدوليّة؟ وكيف قبل الرَجلُ أن لا مقارنة بين الحالتين، هل من يقتلون في غزة ليسوا بشراً؟ أليس معظمهم من الأطفالِ والنساءِ والشيوخِ؟ ألم يدمر الاحتلالُ كلّ معالمِ الرياضة، وينكل بالرياضيين الأبرياء؟
أزعم أنّ السيد باخ لم يقرأ الشكوى الفلسطينية، إمّا لأنه لا يريدُ أن يقرأها، وإمّا لأنّه محكومٌ بموقفٍ مسبقٍ فيه "عزة ومعزا"، وخيار وفقوس، وفي الحالتين يقتضي الأمرُ نصرةً رياضيةً من الأَشقاء والأَصدقاء، لدعم الموقف الفلسطيني المطالبِ باستبعادِ القَتلة، إلا إذا كان هؤلاء لا يدركون أهمية المنصّة الأولمبية في ردع المعتدين، أو أنّ الأفارقة الذين انتصروا لشعب جنوب افريقيا سنة 1976 أكثر وعياً!
