الرياضية أون لاين : كتب - أسامة أبو عيطة:
جسَّد "شعب بيت حانون" كما يعشقوا أن يُطلق على كتيبتهم حالة تكاد تشبه المعجزة في عالم الساحرة المستديرة، وذلك بعد أن تمكن فريق الأهلي "الحانوني" من الصعود إلى مصاف أندية الأضواء للدرجة الممتازة في المحافظات الجنوبية، بعد غيابه عن هذا المعترك الأبرز لعدة سنوات، ليقطف أخيراً ثمار جهد خرافي وعناء كبير، ويُحيك لنا قصة "ملحمة أسطورية"، تصلح لأن تكون حالة تدرس في المناهج الرياضية بشكل عام، وفي عالم كرة القدم على وجه الخصوص، والتي كان أبرز عناوينها لا يأس مع "شعب بيت حانون".
...................
من مجرد خيال .. تحققت الآمال !!
فلم يكن أشد المتفائلين في كافة أرجاء المدينة التي تقع شمال قطاع غزة يتصور أن يصعد الفريق إلى دوري الدرجة الممتازة، خاصةً بعد البداية الغير موفقة لكتيبة مقاتلي "الحوانين" الأشداء، الذين نجحوا بفضل قيادة مدربهم المخضرم نعيم سلامة بقلب الطاولة على الجميع، وخالفوا جميع التوقعات، بفضل خبرة وحنكة هذا الرجل، الذي حول المستحيل من الخيال، إلى واقع ملموس محققاً الآمال، وأنقذ الفريق من براثن الهبوط شبه المحتوم، بعد أن استلم دفة قيادته في الجولة الـ(6) من مرحلة ذهاب الدوري، ولم يكن يمتلك حينها سوى (4) نقاط فقط !!
...................
"ريمونتادا" .. "حانونية" الصنع ..
المدرب "أبو إسلام" .. وكأنه امتلك عصاً سحرية بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وأخرج كل ما في جعبته من إرث وخبرة تدريبية كبيرة، وبدأ بتنفيذ "ريمونتادا" حقيقية، ولكن ليس خلال مباراة واحدة، إنما حققها على صعيد منافسة البطولة ككل.
فرغم أنه أنهى مرحلة الذهاب في المركز التاسع على لائحة جدول الترتيب، بعد أن جمع (14) نقطة فقط، وكان حينها أقصى تمنيات المناصرين والمحبين هو الابتعاد بالفريق عن شبح الهبوط، إلا أنه حقق ما وصفه جُل النقاد والمحللين والمتابعين بالمعجزة حرفياً، فقلب الحال رأساً على عقب، واستطاع أن يتوج كبطل لدوري الدرجة الأولى، وتربع على عرشها بعدما حصد (39) نقطة، حيث كانت مرحلة الإياب هي العلامة الفارقة في مسيرة كتيبة "المغاوير"، فنجح بتحقيق الفوز في (8) لقاءات، وتعادل في مباراة واحدة أمام خدمات المغازي، ولم يتلقى سوى خسارتين فقط كانتا أمام المجمع الإسلامي، وخدمات النصيرات.
المدرب القدير سلامة عاد ليحقق حلم مدينة بأكملها، ونجح بإعادة الفريق إلى مصاف أندية الدرجة الممتازة خلال الموسم المنقضي حديثاً، مكرراً إنجازه التاريخي حينما فعل مع "الحوانين" أنفسهم موسم (1998/1999) ذات الأمر، وفتح قلبه لـ"أيام الملاعب" في حوار مطول وشيق، ومليء بالمعلومات والتصريحات، والتي يُعتبر بعضها من المفاجآت الخاصة والحصرية، والتي كشف عنها خلال هذه المقابلة "الدسمة" جداً بالكثير من الأمور للمرة الأولى.
...................
من البقاء .. إلى الأضواء !!
واعترف المدرب سلامة في بداية حديثه بأنه حينما تولى قيادة الفريق كان الطموح والهدف هو الابتعاد عن شبح الهبوط، حيث قال: "كان وضع الفريق صعباً جداً على لائحة الترتيب، وكانت خطتنا هي الابتعاد تدريجياً عن مناطق الخطر أسفل لائحة الترتيب، وبدأنا العمل بنظام القطعة، وخوض كل مباراة على أنها بطولة بحد ذاتها، وحاولت رفقة الجهاز المعاون بذل كل ما بوسعنا من أجل أن نعمل على إخراج الفريق من حالة اليأس والإحباط التي كانت تتملك اللاعبين وكافة عناصر المنظومة، وذلك بسبب المركز الخطير الذي كان يقبع به الفريق أسفل لائحة الترتيب".
وأضاف: "حاولنا في البداية العمل على إعادة زرع الثقة في نفوس اللاعبين، وأنهم كمجموعة قادرين على الخروج من هذه المحنة الصعبة، وبدأنا بترتيب صفوف الفريق داخلياً شيئاً فشيئاً، وعملنا بشكل متسارع على إصلاح ما يمكن إصلاحه في أسرع وقت ممكن، ووضعنا برنامجاً دقيقاً لتحقيق ذلك، وبهدف حصد المزيد من النقاط، وعملنا على إعداده أيضاً من الناحية البدنية، ومن ثم الخططية، وكانت الأمور صعبة جداً في البداية، ولكن سرعان ما بدأت الأمور والأوضاع تتحول إلى الأفضل بشكل متسارع، وكان للاعبين دور هام وفعال جداً بتحقيق هذا الهدف، حيث أبدوا التزاماً حديدياً، وبدأنا بحصد بعض النتائج الجيدة، والتي ارتدت سريعاً عليهم بشكل إيجابي بشكل غير متوقع، ولاحظنا أنه يمكننا فعل المزيد، والارتقاء إلى أعلى لائحة جدول الترتيب، وطبعاً كان لمرحلة الإعداد التي خضناها بكل جدية وقوة خلال مرحلتي الذهاب والإياب مفعولاً سحرياً، حيث ارتفعت نسبة الانسجام بين اللاعبين، وعملنا على تطوير مستوياته من النواحي البدنية والتكتيكية، وأصبحوا ينفذوا التعليمات بشكل مميز، وكان استيعابهم أكثر من رائع، خاصةً فيما يتعلق بحفظ كل منهم لمهمات مركزه بشكل دقيق، وكانت عزيمتهم جبارة، وجلدهم واضح من أجل تحقيق هذا الأمر".
...................
الجماهير الجرارة .. أمواج هدارة ..
وقال المدرب سلامة أن حالة المؤازرة الغير طبيعية التي وقفت خلف الفريق، والزحف الجماهيري الغير مسبوق، وعملية التشجيع بشكل أشبه بـ"الهستيريا" كان لها دور هام جداً، وقد كان من أبرز العوامل الإيجابية في عدة لقاءات، مضيفاً: "كنا نعمل على استثمار حالة الاحتضان الجماهيري الضخمة جداً للاعبين، والذين كانوا يملئوا المدرجات المخصصة لهم عن بكرة أبيها، ورأينا كافة شرائح مدينة بيت حانون تقف خلف الفريق وتدعم اللاعبين بشكل متواصل وبكل قوة خلال اللقاءات، وبالطبع علمنا على إعداد اللاعبين من الناحية النفسية بشكل أكثر من رائع، للاستفادة من كل كم هذا الدعم منقطع النظير، وتحويله إلى طاقة إيجابية داخل أرضية الميدان، ووصلت الرسالة إليهم بشكل واضح، بأنه يتوجب عليهم أن يكونوا سبباً في إسعاد أبناء مدينتهم بشيوخها، رجالها، أطفالها، وحتى نسائها، وأنه لا يمكن أن يكونوا سبباً في خذلان كل هؤلاء العاشقين والمتيمين، وكانوا فعلاً على قدر كبير من المسؤولية، ونجحوا في النهاية برسم البسمة على وجوههم، وحققوا لهم حلماً طال انتظاره".
...................
بقائي مع "الحوانين" مرهون بـ"شبكة أمان" !!
وأكد سلامة أنه حتى هذه اللحظة لم يحسم أمره بالبقاء من عدمه مع فريق بيت حانون، قائلاً: "بعد الانتهاء من الموسم قدمت تقريراً فنياً، وكذلك وضعت خطة متكاملة، وعدة شروط لاستمراري مع الفريق حال رغبة الإدارة بذلك، وكان أهمها هو العمل على استقدام من (4_5) لاعبين، والاستغناء عن آخرين، إضافة لوجود استحقاقات مختلفة تتناسب مع التواجد في الدرجة الممتازة، وتم الموافقة على هذه الرؤية من قبل مجلس الإدارة".
...................
القاعدة النظرية تحتاج إلى تطبيق ..
وكشف سلامة أن الأمور توقفت عند الحد النظري فقط، مشيراً إلى أن هذا الجانب يحتاج بالتأكيد إلى عمل على أرض الواقع، والبدء في تطبيقه، مضيفاً: "يبدو أن الأمر المادي وضعف الإمكانيات التي تعاني منها معظم أندية قطاع غزة هي التي تقف عائقاً كبيراً بوجه تحقيق متطلبات الخطة التي تم وضعها، وهنا يكمن الخطر القادم المحدق بالفريق، حيث إن لم تتوفر هذه الأمور في الدرجة الممتازة التي تختلف الأوضاع كثيراً فيها عن الدرجة الأولى، سيكون من الصعب جداً البقاء في البطولة".
وأكد سلامة أن الأمر الآن يتوقف عند مجلس الإدارة، متسائلاً: "هل ستكون لديه المقدرة على توفير جميع هذه الأمور والمستلزمات في المرحلة المقبلة أم لا؟؟".
...................
خياراتي ما زالت مفتوحة ..
وبعد تلك التفاصيل والصعوبات التي ذكرها سلامة قال: "بالتأكيد من الصعب أن أبقى في هكذا موقف على لائحة الانتظار، فإذا لم يكن هناك تحقيق فعلي على أرض الواقع لمفاصل الرؤية التي وضعتها، فخياراتي ما زالت مفتوحة، ومن الممكن أن أبقى مع فريق بيت حانون الأهلي، ومن الممكن جداً أن أدرب أي فريق آخر، ومن حقي أن أحصل على شبكة الأمان التي تحدثت عنها، حتى أكون صادقاً مع جميع منظومة بيت حانون، وخاصةً جماهير الفريق الجرارة التي تحب وتعشق نجاح فريقها بصورة غير طبيعية".
وكشف سلامة عن تلقيه عدة عروض مختلفة، وعن احتمال تعاقده مع فريق آخر، حيث قال: "أنا بحاجة لفريق يرغب بالنجاح، وهذا الأمر بالتأكيد موجود لدى بيت حانون، ولكن الإمكانيات الشحيحة تقف في وجه تحقيق متطلبات العمل".
وأضاف: "حتى هذه اللحظة لم أحدد وجود بقائي على رأس الجهاز الفني من عدمه، ولكني لن أقود إلا فريق يلتزم بالرؤية والشروط التي أضعها لتحقيق النجاح في المنظومة".
...................
المنافسة في الأولى تفوق الممتازة ..
وأكمل سلامة حديثه قائلاً: "لا فرق كبير لدي في قيادة فريق من الدرجة الممتازة أو الأولى، فلكل بطولة منهما خصائص معينة، ولدي الآن عروض جدية من الدرجتين، وقد أفاضل خلال هذه الأيام القليلة فيما بينها".
وأضاف: "الدرجة الأولى تتميز عن الممتازة بتقارب الأمور بشكل كبير جداً بين معظم الفرق، وكان من الصعب توقع نتيجة أي مباراة، ولم تحسم أمور المنافسة بالصعود، أو حتى الهبوط إلا في الأمتار الأخيرة من البطولة".
ولكن سلامة أشار إلى أنه من الصعب المقارنة بين المستويات الفنية والتكتيكية التي في الدرجة الأولى مع الدرجة الممتازة، حيث قال: "الفروق في النواحي الفنية والمهارية والخططية واللوجستية كبير جداً، وهناك اختلاف لا يستهان به في هذا الأمر، وعقليات اللاعبين وإمكانياتهم تكون هي العامل الفارق في المرتبة الأولى".
...................
رسالة شكر بعد النجاح ..
وقدم المدرب سلامة شكره وتقديره إلى كل من كان له دور بمساعدته على تحقيق إنجاز الصعود بالفريق إلى مصاف أندية الدرجة الممتازة، قائلاً: "النجاح الذي تم تحقيقه لم يكن فردياً، بل كان نتيجة عمل مجموعة متكاملة من العناصر، سواء من الجهاز الفني والإداري للفريق، اللاعبين، الجماهير، الداعمين والمحبين، وخلف كل ذلك مجلس الإدارة الذي كان يعمل جاهداً ويحاول توفير المتطلبات بأقل الإمكانيات المتاحة".
وأضاف: "وبالتأكيد هناك شكر خاص لأسرتي وعائلتي جميعها، والذين وقفوا بجانبي طوال الفترة السابقة، وتحملوا معي ضغوطات العمل، خاصة في أوقات بدايات العمل الصعبة، فكانوا نعم السند لي في تلك المراحل".

