الرجل الارجنتيني مدرسةٌ أخرى بعناوين مختلفة وطروحات فلسفية كروية غير مألوفة، يُقدم نفسه إلى العالم بتقاليد لم تعتادها كرة القدم، فمن أين أتى الهادىء ذو الـ 44 سنة بكل هذا؟

كيف بدأت حياة بوكيتينيو؟

إذا ما أردنا البحث عن الأصل الفكري والفلسفي لمدربٍ ما، سيكون علينا البحث عن أستاذه. فإذا قلنا أنه كان كرويف ليكون غوارديولا، فسنقول حتماً كان مارسيلو بيلسا ليكون ماوريسيو بوكيتينيو. فكيف بدأت قصة الرجلان؟

في بلدة مرفي الصغيرة دق باب منزل الطفل ماوريسيو بوكيتينيو (14 سنة) عند الساعة الثانية فجراً والطارقان كانا مدربا فريق نيولز أولد بويز مارسيلو بيلسا وخورخي غريفا. هناك تم اكتشاف الموهبة الصغيرة وبدأت القصة ليوقع بعدها بسنوات بوكيتينو مع الفريق.

في سنة 1991 وهو في عمر 18 سنة كان بوكتينيو يقود دفاع الفريق الارجنتيني وحقق لقب الدوري تحت قيادة بيلسا، ولمن يريد أن يذكر ماوريسيو كلاعب ليس عليه سوى العودة إلى سنة 2002 حين ارتكب ركلة جزاء على مهاجم انكلترا مايكل أوين في كأس العالم، اطاحت بالارجنتين خارج البطولة.

من نيولز أولد بويز إلى إسبانيول حيث قضى 12 عاماً ومنه إلى باريس سان جيرمان وبوردو ليعود بعدها إلى إسبانيول ويفوز معه بنهائي كأس إسبانيا سنة 2006 ويعين مدرباً للفريق بعدها بثلاث سنوات.

علامَ تقوم فلسفة بوكيتينيو الكروية؟

في إسبانيول هزم ماوريسيو بوكيتينيو بيب غوارديولا مدربا لبرشلونة، وفي توتنهام هزم ماوريسيو بوكيتينيو بيب غوارديولا مانشستر سيتي. وفي الحالتين كان التفوق التكتيكي واضحاً للمدرب الارجنتيني. ما نتحدث عنه هنا ليس أمراً، فهزيمة أحد أفضل العقول الكروية مرتين بهذه الطريقة أمام بوكيتينيو يجعل طرح فلسفة المدرب الذي أعاد توتنهام إلى الواجهة أمرا حتميا.

بوكيتينيو كما بيلسا مدرب يحسب كل تفصيل قبل انطلاق اللقاء، كل تبديل وكل إصابة وكل حالة طرد ممكنة، هي مدرسة أرجنتينية قديمة تقوم على محاولة عدم ترك أي مجال للصدفة حتى قال بيلسا يوماً "إذا لم يكن اللاعبون بشراً، لم أكن لأخسر أبداً".

بوكيتينيو كما بيلسا يعتمد على تشكيلة فيها الكثير من الشبان، وهنا نتحدث عن أعمار تتراوح بين 19 و21 سنة مثل ديلي آلي وهاري كين وسون، ولهذا سبب قوي ومؤكد وثابت وهو أسلوب اللعب للمدرب. فالاثنان يعتمدان الضغط العالي، الضغط حتى المغامرة، حتى قطع الانفاس وترك الفراغات القاتلة في الخلف، الضغط حتى قطع الكرة ومن هناك حكاية أخرى، لذلك عنصر الشباب يشكل دافعاً أكبر والتزاماً أشمل

ماذا بعد قطع الكرة بالطريقة المجنونة؟

لن يستطيع اللاعب أن يكون عنصراً في تشكيلة بوكيتينو إذا لم يكن شغوفاً، لا يمكن أن يتوقف اللعب، لا مجال لالتقاط الأنفاس، فتدوير الكرة يتم بصفةٍ واحدة وهي العمل إلى الأمام وبعد قطع الكرة يجب أن تكون عازف كمان هادىء وقاسٍ وممتع. ببساطة من هناك في الثلث الأخير وفي التشكيل القائم على رقم 9 وهمي يترك بوكيتينيو كل شيءٍ للمتعة، رُبما يصبح مثلنا متفرجاً منتظراً كيف سيبهره اللاعبون.

بوكيتينو يمسك اللاعبين ضمن المنظومة، يضيق الطوق عليهم بفروض وشروط والتزامات ثم يطلقهم أحراراً أمام المرمى، فلا ترى التزاماً مركزياً في الأمام ويصبح اللاعبون كمن يتحرك بفطرته. فأن تنتقل من الحبس إلى الحرية قي ثوانٍ سيجعلك هذا الأمر خارقاً للعادة