كتب-سمير كنعان
بعد سنواتٍ طويلةٍ من الخيبةِ للكرة الأسبانية على صعيدِ المنتخبِ والأندية أواخر الألفية الثانية، من خلال الابتعادِ عن الألقابِ القاريةِ والعالمية، عاد الريالُ ليُجبرَ العالمَ على احترامِ الكرةِ الأسبانية بثلاثةِ ألقاب دوري أبطال أوروبا في خمس سنوات (1998-2000-2002م) مع بعض السّطوعِ لفالنسيا وديبورتيفو على الساحة وقتها، وإنْ لم يكنْ غريباً على نادي القرن أنْ يحصدَ البطولاتِ الأوروبية ومونديالَ الأندية نظراً لما له من تاريخٍ وشخصيةٍ وأساطيرَ مثلتْ قميصَه، وبعد الرّكودِ 4 مواسمٍ أخرى بدأت حقبةٌ جديدةٌ لم تكنْ بالحسبان من نادي برشلونة 2006 الذي أبدعَ وأبهرَ العالمَ بنجومٍ كانوا خارقينَ للعادة أمثالَ "رونالدينيو وبويول وديكو وإيتو وميسي وهنري وتشافي وإنيستا وبوسكيتش وآلفيش" والكثير من الأسماء التي أهدتْ النادي بطولاتٍ بالجملة محلياً وقارياً، حتى مع خسارتهم الليغا مرتين 2007 و2008 لريال كابيللو وشوستر، إلا أنهم واصلوا بنفس الأسلوب وحققوا بعد ذلك سداسيةً تاريخيةً لم يفعلها غيرُهم وخماسية أخرى الموسم الماضي جعلتهم قوةً ضاربةً مرشحةً لأيّ لقبٍ ينافسونَ عليه، واستمرَّ التنافسُ الشديد بين الغريميْن ريال مدريد وبرشلونة بشكلٍ لم يكنْ معهوداً في السابق ولا حتى في دولٍ أخرى!!
كلُّ هذا كان كفيلاً بنهضةٍ شاملةٍ على صعيدِ المنتخبِ المُتّهمِ دوماً بأنه ضعيفٌ لا ينافسُ عراقةَ الآخرين كألمانيا وإيطاليا وفرنسا خاصة في كأس العالم، وكانت انطلاقة الماتادور في يورو2008 بفوزٍ صعبٍ على ألمانيا، ثم مونديال2010 في جنوب أفريقيا والفوز في النهائي على طواحين هولندا بهدفِ المعجزة إنيستا (رغم أحقية هولندا) وتصدياتِ "كاسياس" الحاسمة، ثم صناعةِ التاريخِ بلقبِ يورو آخر2012 على حساب الطليان برباعيةٍ قياسية، أذهلت العالم بسيطرة المنتخب على أكبر بطولتيْن المونديال واليورو!!
ومن ذلك الحين تراجعَ المنتخبُ الأسباني وسقطَ بشكلٍ مروّع في مونديال 2014 اللاتيني بالبرازيل الذي خطفته ألمانيا من أنياب ميسي ورفاقه (وخسارة مذلة بخماسية هولندية وثنائية تشيلي).
لكنّ الكرةَ الأسبانيةَ لم تتراجعْ إطلاقاً بتراجُعِ المنتخب بلْ زادتْ توهُّجاً، فقد أخذ كبارُ الليغا ريال مدريد وبرشلونة وأتليتيكو مدريد وإشبيلية وفالنسيا وبلباو على عاتقِهم حِفظَ سُمعَةِ الأسبان بعد سقوط منتخبهم، بل تعدّى ذلك إلى عربدةٍ حقيقيةٍ على الكرةِ الأوروبيةِ أدتْ إلى هيْمنةٍ كاملةٍ ثلاث سنواتٍ متتاليةٍ على صعيدِ أكبرِ بطولتيْن بالقارة العجوز، بلقبيْ دوري أبطال للريال 2014 و2016 على حسابِ نفسِ الخصمِ اللدودِ "أتليتيكو" في ديربي مدريدي بنكهةٍ أوروبيةٍ، ليُعززَ رقمَه القياسي بـ11 لقباً إعجازياً، بينهما واحد لبرشلونة 2015 ضمن خماسيتِه التاريخية، وتزامنَ معهما ثلاثيةٌ أسطوريةٌ تعجيزيةٌ لأبناءِ الأندلسِ "إشبيلية" في اليوروليغ (كأس الاتحاد الأوروبي سابقاً) 2014-2015-2016، وبالتالي كان لقبُ السوبر الأوروبي أيضاً أسبانياً خالصاً، استكمالاً للعربدةِ الكرويةِ لأنديةِ الليغا، كما سبقهما لقبان للأتليتيكو في اليوروليغ، بينما اكتفى بقيةُ عمالقةِ اللعبةِ بالمتابعةِ والحسرة كثلاثي إيطاليا ميلان ويوفي وإنتر ومارد ألمانيا الأحمر بايرن والعملاق الأصفر دورتموند وكبار إنجلترا ليفربول ويونايتد والسيتي وتشيلسي وآرسنال وتوتنهام (كلهم تعذبوا على يد فرق أسبانية)!!
ولكن ما زاد العالم ذهولاً هو أنَّ الريال وبرشلونة يُغرّدان وحدَهما في دوري (توم وجيري) باستثناء 2014 ليغا غير متوقعة للأتليتي بقيادةِ مدربِهم بطلِ العالمِ في الصراخِ والهيَجانِ "دييغو سميوني"، عدا ذلك فالبطولة إما ملكية أو كتالونية، ومع ذلك فإنَّ أندية إشبيلية وفالنسيا وحتى فياريال استطاعت هزيمة أعتى الفرق الأوروبية والوصول إلى أدوار متقدمة باستمرار، والأدهى أنّ دور الثمانية هذا العام في الأبطال واليوروليغ فيه 6 أندية أسبانية بالتساوي ثلاثة هنا ومثلهم هناك.!!
والمفارقة أننا حين نلخص حكاية سطوة منتخب إسبانيا بجيل أسباني عتيد مشكل من برشلونة وريال مدريد، خلال فترة 6 سنوات وحصد لقبيْ يورو تخلّلهما مونديال، نجدهما لم يحققا بصمةً باستثناء سداسية برشلونة، ثم حين تهاوى المنتخب سيطرتْ أنديةُ الليغا الأسبانية على الكرة الأوروبية لثلاث سنواتٍ لاحقةٍ كان الفضلُ لنجومِ الفريقيْن الأجانب مثل: كريستيانو ودي ماريا وبيل وبنزيما ومودريتش وكروس في كتيبة مدريد، وميسي ونيمار وسواريز وماسكيرانو والحارس برافو وآلفيش من القلعة الكتالونية.
ويرجع ذلك لسياسة التعاقدات الضخمة للفريقيْن، وقلة الاعتماد على الكوادر الشبابية من الأكاديميات (كاستيا–مدريد، ولاماسيا-برشلونة)، وكبر سنّ النجوم الأسبان مثل كاسياس وألونسو وتشافي وإنيستا وبويول وتوريس وفابريغاس.
ولا بأس من التذكير بأنّ أسبانيا حصدت كأس العالم للشباب وبطولة يورو لتحت 17 عاماً إضافة لمونديال السيدات ومونديال خماسي الصالات في تلك الحقبة الذهبية للكرة الأسبانية.
المحصلة أنَّ علم أسبانيا يرفرف على منصاتِ التتويج لعقدٍ من الزمان، عشر سنوات من النجاح إما بالمنتخب أو بالأندية وحتى السيدات والناشئين.!!
وبانتظار يورو 2016 بفرنسا وما بعده من مونديال 2018 بروسيا وباقي التحديات القادمة للكرة الأسبانية، نعلن أسبانيا ملكةً على عرش كرة العالم الأرضية، والفضائية إن أمكن!!
حتى تصحو كرة إيطاليا من سباتها أو تعود فرنسا لمجدها، أو تستمر ألمانيا في نهضتها!!
