كتب-سمير كنعان
بدأ موسم 2015-2016م مع ريال مدريد تحت قيادة الأسباني "رافا بينيتيز" بتعادل سلبي مخيب ضد خيخون، ثم أخذ يفوز بشكلٍ متحفظٍ غير مقنع الأداء مع حصد النقاط وهو الأهم، حتى وصل لأعلى الهرم في الليغا، إلى أن بدأت الكوارث تتوالى مع نزيف النقاط تدريجياً خاصة السقوط المدوّي في البرنابيو برباعية الخصم اللدود برشلونة تاركاً له الصدارة، ثم استغنى عن الوصافة للجار اللدود أتليتيكو مدريد بإهداره المزيد من النقاط، في ظل تخبط غريب بعدم ثبات التشكيلة، جعل الكلّ واثقين من كونه موسماً صفريّاً آخر للريال وأنّ إنجازات هذا العام= زيرو!!
فكان القرار من الرئاسة بإقالة "رافا" وتعيين الأسطورة المدريدية الفرنسية "زين الدين زيدان"، والحق يقال أنّ لا أحد طلب من زيزو بطولاتٍ وألقاباً، وإنما الهدف من تعيينه تشكّل في ثلاثة محاور: *تحسين صورة الريال بالأداء، *التجهيز لبناء فريق قوي للموسم المقبل، *وضبط الصفوف بعد البلبلة والتمرد في حقبة رافا، ولأنه "زيزو" فلن يجرؤ أي نجم في الفريق على العصيان أو المخالفة حتى لا يبوء بغضب الجمهور وسخط المشجعين العاشقين للأسطورة.
وكان أول ما فعله "زيدان" أنْ أعاد كاسميرو السدّ البرازيلي للتشكيلة وثبت على كارفخال بعد فضائح دانيلو الظهير المنتدب من بورتو والذي لم ينسجم بعد حتى انتهى الموسم!
ثم اعتمد على الثنائي الكرواتي والألماني "لوكا وتوني" اللذيْن أحكما القبضة على التشكيلة الأساسية، تاركين رودريغيز وإيسكو وفاسكيز على الدكة، كما كان الاعتماد الكلي على الثلاثي
"بي بي سي" بيل بنزيما كريستيانو، لكن الثلاثي عانى من التفكيك بسبب الإصابات التي عصفت بهم، وكان البديل خيسي هو الخيار مع فاسكيز لسد العجز، ومع إصاباتٍ بالجملة لمارسيلو وكارفخال ومودريتش، وصل الفريق إلى حالة مهلهلة لا يفوز مقنعاً إلا في البرنابيو، فصار فارق الترتيب 13 نقطة لتؤكد ضياع الموسم وعبارة "ريال زيرو".
وهذه المشاكل حاول التغلب عليها "زيدان" بروح القتال والثقة والمعنويات التي بثها في اللاعبين، إضافة إلى حسن الحظ في بعض الأوقات وتألق أو توهّج الحارس "نافاس"، مع التحسن في مستوى الدفاع بيبي وراموس بوجود الدبابة كاسميرو، وعودة المصابين شيئاً فشيئاً.
وبدأ الأمل يشعشع في قلوب المدريديستا بلقب يحفظ ماء وجه عملاق الكرة الأسبانية وسيدها عبر التاريخ مهما كان من تراجع بالأعوام القليلة الماضية ضمن هيمنة المارد الكتالوني برشلونة، وخاصة مع مراحل الحسم في البطولات، وشهر الحصاد "قبل الأخير" من الموسم، فكان التعثر المفاجئ والصاعق وغير المبرر من برشلونة بتعادل وأربع هزائم متتالية منها سقوط الكلاسيكو على أرضه بثنائية بنزيما وكريستيانو، فأودت به الهزائم خارج الأبطال من خصمه المتكرر أتليتيكو مدريد، كما جعلته يتقاسم الصدارة بنفس الرصيد مع نفس الخصم، ويليهم الريال بنقطة وحيدة، لكنها لم تكن كافية حيث كشر برشلونة عن أنيابه كيلا يتحول الرقم زيرو إليهم، وفازوا بكل الجولات الأخيرة ليحصدوا الدوري بجدارة، ناهيك عن نهائي الكأس الذي حسموه أمام إشبيلية المرهق أوروبياً من نهائي ليفربول في اليوروليغ.
في هذه الأثناء كان الريال يشق طريقاً آخر على المستوى الأوروبي إلى نهائي تاريخي برقم قياسي للمرة 14 بإقصائه (روما-فولسبورغ-والسيتي)، وحسبت لزيدان مباراة دراماتيكية للتاريخ والريمونتادا التي يفخر بها المدريديون بعد هزيمة في ألمانيا من فولسبورغ بثنائية نظيفة، لكنهم عادوا ليقصفوا الألمان بالثلاثة التاريخية للدون كريستيانو في ليلة سميت باسمه بالبرنابيو.
وإن كانت القرعة خدمت الريال بمنافسين أقل خطورة فإنها لم تخدم أتليتيكو مدريد الذي جابه آيندهوفن وأقصاه بركلات الترجيح بلا جدارة، ثم أقصى برشلونة فعملاق ألمانيا "البايرن" في المربع الذهبي تاركاً الريال يجهز على السيتي الواصل بالخطأ أصلاً لمثل هذا المركز.
ثم كان النهائي كلاكيت ثاني مرة ديربي مدريدي خالص، بعد موقعة لشبونة التي فاز بها الريال بعد معاناة وتمديد إضافي برباعية لهدف، وكان العالم كله على موعد مع وجبة كروية من الطراز الرفيع، إلا أنّ البعض رآها ليلة مملة بسبب أسلوب الريال الذي لم يحسن استغلال سطوته بالشوط الأول وتقدم بهدف راموس "ملك النهائيات المدريدية" فتراجع تاركاً زمام المبادرة للأتليتي، وهذا بالتحديد ما لم يعهده ولا يجيده أبناء سيميوني، المتخصصين في قهر التيكي تاكا بالمرتدات، أما أنْ يمتلكوا الكرة أغلب فترات اللقاء والريال يدافع ويغلق المنافذ، فقد أثبت الأتليتي أنه فريق عقيم هجومياً إذ لم يُهدّد نافاس أبداً سوى من ركلة جزاء غير شرعية أضاعها جريزمان نجمهم الأول.
وتمكن البديل "كاراسكو" من التعديل ليزيد ملل وإثارة الليلة حتى ركلات الترجيح التي ابتسمت للريال بنتيجة 5/3، وما لفت العالم وقتها اختيار "زيزو" للمنفذين، واختيارات المنفذّين وقراءتهم للحارس المتميز أوبلاك، وكانت كل التسديدات الخمس على يمينه أرضاً عدا الأخيرة للدون يمينيّة مرتفعة.
فصار الريال بطلاً للبطولة الأغلى والأهم بعد موسم سيء للنسيان، وتجلت عبارة "ريال زيزو" سيد أوروبا للمرة الحادية عشر في تاريخه.!!
وهنا تحضر المقولة الشهيرة "الهزيمة يتيمة والفوز له مائة أب"، فلو أن الريال خسر لكان "زيزو" سبباً في ذلك بقراراته الغريبة طوال النهائي باستبدال "كروس"، وأنه كغيره لا يجرؤ على سحب "رونالدو" خارج الملعب، ومجاملته الزائدة جداً لمواطنه بنزيما وعدم استغلال تبديلاته الثلاثة لأكثر من مناسبة مع توفّر خيسي، وغيرها من النقاط التي تبرهن أنّ زيزو ليس "مدرباً محنكاً" حتى الآن، لكنه فاز وانتهى، وكلمة السرّ كاسيميرو!!
وقد يخالفني الكثيرون خاصة من يعشقونه (مثلي) لكنها الحقيقة، ويجب الانتظار حتى ينضج الأسطورة تدريبياً، فأثبت أنّ بجعبته الكثير كما فعل بالعودة أمام فولسبورغ حين وسّع الملعب ليزيد المساحة على الخصم القادم للدفاع ويقتله بالأظهرة المميزة مارسيلو كارفخال، وأنه حرص على الصلابة في خط الوسط مع المهارة المتمثلة في الثلاثي (لوكا وتوني وكاسميرو)، وغيرها مواقف تدلّ على إمكانية صناعة التاريخ بعقل هذا الأسطورة الذي بات أول شخص بالعالم يفوز بالأبطال لاعباً ومساعداً ومدرباً!!
