الرياضية أون لاين - وكالات
هناك العديد من لاعبي كرة القدم من نافسوا في رياضات مختلفة على أعلى مستوى؛ لكن قلائل من فعلوا ذلك في نفس الوقت، بل وهناك قلة قليلة من هؤلاء من يدّعون أنهم موسيقيون متمرسون وهم في أزهى أيام تألقهم الرياضي.
تأثير نظام الفصل العنصري
حين ذهب دلومو لخوض أولى حصصه التدريبية مع النادي الهولندي هيراكليس ألميلو، تنبه زملاؤه الجدد وهم يتأهبون للمران أنه لم يكن في غرفة الملابس. وتذكر هينك تين برينك، الذي جاور دلومو في صفوف هيراكليس قائلاً: "تفاجأ داريوس حين رأى أن جميع اللاعبين، السود منهم والبيض، يستخدمون نفس غرفة الملابس، وظن أنه كان عليه أن يبدل ثيابه في الخارج."
ولد داريوس في دوربان سنة 1931 وترعرع خلال حقبة التمييز العنصري ولا عجب أن ذلك أثر في شخصيته. وخلال حوار له مع المؤرخ الرياضي بيتر أليجي، أوضح دلومو كيف أصبح يملك كل تلك المواهب: "حين كنت صبياً إبّان فترة التمييز العنصري، لم يكن لنا خيار آخر غير الإبداع... أفضل طريقة للبقاء هي أن يفعل المرء شيئاً ما."
من المؤكد أن ذلك بالتحديد ما فعله دلومو؛ فقد لعب كرة القدم مع نادي بومانفيل سيتي بلاكس، وخاض بطولة لكرة المضرب وأصبح بطل في الملاكمة على المستوى الوطني ضمن فئة الوزن المتوسط. بالإضافة إلى ذلك، كان يضرب الطبلة ويغني موسيقى البلوز، بل واكتسب لقب 'الملاكم المغني'. لقد كان لاعب كرة قدم من الطراز الرفيع خلال وقت لم تكن كرة القدم تحظى بشعبية واسعة في بلاد قوس قزح.
وتحدث كابتن موروكا سوالوز الأسبق كريس نجكوبو عن دلومو اللاعب فقال: "كان لاعب وسط ميدان جاد وجد منضبط. لم يكن لجنوب إفريقيا حينها منتخب وطني. غير أن ندورو كان يناديه ويشركه في كل تشكيل يمكنه الانضمام إليه. ولو كان هناك منتخب وطني لما كان لُيوقّع على هذه المسيرة الرائعة."
لَكمُ مانديلا
جاكي موتلوجيلوا تعامل مع دلومو كملاكم. وقال هذا الوكيل: "كان ملاكماً جيداً. وذلك ما جعله يصبح بطل جنوب إفريقيا. وكانت له نزالات ودية مع نلسون مانديلا وهو من القلائل الذين سُمِح لهم بلكم القائد العظيم."
والملفت هو أن دلومو وجد الوقت اللازم كي يعمل خلال النهار كمعلم في مستعمرة لامونتفيل. غير أنه سرعان ما أدرك أن ما كان يدرّسه مقرر رسمي يكرس 'الطاعة والرضوخ للأدوار الاجتماعية المفروضة والانصياع والتماهي مع الثقافة القروية'.
وكان دلومو قد تذكر تلك الفترة خلال حواره مع أليجي فقال: "كان كل تعليمي يحضّرني لكي أكون مدرساً، لكن الحكومة جاءت بمقاربة جديدة. لقد قلت: 'لا، لا يمكنني، لا أريد أن أقوم بذلك.' لا يمكنني أن أدرس أطفالاً أشياء أعلم أنها لا تُفيد تطورهم بشيء."
غادر دلومو مهنة التدريس وأصبح يعمل مع جمعية الشبان المسيحيين في دوربان. وفي نفس الوقت، ألهمه نجاح لاعبي كرة قدم جنوب إفريقيين آخرين من أمثال ستيف موكون في أوروبا وهو ما جعله يراسل أندية خارج الوطن يطلب منها أن تُعطيه فرصة ليريها مواهبه الكروية. غير أنه لم يتلق أية إجابة ولم يستطع أن يقنعهم بطلبه. وفي سنة 1958، عندما كان عمره 26 سنة، تلقى رسالة من هولندا تدعوه لإجراء تجربة مع نادي هيراكليس ألميلو.
نجاح فوري
وتذكر زميله في النادي تيب نرينك أن دلومو حظي بالقبول فوراً داخل الميدان وخارجه في هولندا: "كان رجلاً نشيطاً ولطيفاً ولا تفارقه روح الدعابة. كان يعمل بجدّ داخل الملعب ويقود زملاءه في كل المواجهات."
لم يكتف دلومو بلعب كرة القدم في هولندا، بل تابع مسيرته كملاكم وأحيى سهرات غنائية بالتوازي مع ذلك، كان يدعو لها زملاءه. وتحدث الهداف الأسبق تين برينك بحنين واضح عن الجنوب إفريقي الذي كان يتميز بالكرم ولم تكن الابتسامة تفارق محياه، على الرغم من جانبه الجدي، فقال: "سأذكره كرجل ملتزم ما حييت." لقد كان من التزامه أن أصبح معلماً وعاملاً في الخدمة الاجتماعية بعد تقاعده، كما أنه قضى عدة أعوام في السياسة بصفته عضواً بالمجلس البلدي لمدينة انشخدة.
ولم يتعجب المؤرخ الرياضي جوريت فان دي فورين، الذي قابل دلومو لأول مرة سنة 1985 حين كان يشارك في حملة ضد نظام الفصل العنصري، من تحقيق الجنوب إفريقي لكل ذلك النجاح بهولندا. وقال: "كانت كرة القدم الاحترافية بدأت حينها تخطو أولى خطواتها في هولندا وكان كل شيء جديداً. لم يعشقه الناس لأنه كان مختلفاً فحسب، فقد كان رجلاً أسود في بلد أبيض، بل لأنه كان لاعباً فذاً كذلك."
فان في فورين، الذي يدير موقعاً يُعنى بالتاريخ الرياضي باللغة الهولندية، قال إن دلومو أخبره أنه بعد اعتزاله سيكون له أن يختار بين البقاء في هولندا ليخبر الناس عن أهوال التمييز العنصري، أو أن يعود إلى جنوب أفريقيا. لقد فضل الخيار الأول، رغم أنه كان يدرك أن ذلك يعني حرمانه من العودة إلى بلده إلى أن يطرأ تغيير سياسي حقيقي هناك."
لحسن الحظ حصل التغيير في حياة دلومو وتمكن من العودة إلى بلده الأم، حيث تمكن من الالتقاء بمانديلا مرة أخرى. وقد انطفأت شمعة دلومو في انشكيدة عن عمر يناهز 83 سنة.
