تقارير عرض الخبر

كومان: المدرب الأهم في مسيرتي هو كرويف

2015/05/06 الساعة 02:40 م

 

الرياضية أون لاين - نقلا عن موقع الفيفا

كان رونالد كومان لاعب كرة قدم استثنائي. فسواء تعلّق الأمر بنيله لقب أوروبا ثلاث مرات مع أيندهوفن وبرشلونة والمنتخب الهولندي أو كمدافع حصد في مسيرته الكروية 200 هدف، تخصص هذا النجم بما هو مذهل في عالم المستديرة الساحرة. ورغم إثبات مكانته كمدرب من الطراز الرفيع، إلا أنه لا يُظهر أبداً غرور بعض زملائه من مدربي أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، أو الثقة الزائدة لأستاذه يوهان كرويف.

يقدّر لاعبو ساوثهامبتون هذه الخصال التي يتحلّى بها مدربهم. ويقول ريان بيرتراند عن المدرب المشهور للفريق "رغم المسيرة [الكروية الحافلة] التي عاشها داخل وخارج الملعب، إلا أنه في غاية التواضع. هو شخص يسهل التواصل والكلام معه. صحيحٌ أنه يحذرنا بأن الأمور لن تسير بشكل طيب إن لم نكن منضبطين في التدريب، إلا أنه تحيط به هالة من التواضع."

ولو أن كومان شخص يروق له التفاخر، فإن لديه من الإنجازات ما يكفي لتبني هذا الأمر بسهولة. فقد تحوّل فريقه، ساوثهامبتون، إلى إحدى قصص النجاح الكبيرة في الدوري الإنجليزي الممتاز هذا الموسم، وحصد الفريق عدداً قياسياً من النقاط قبل أربع مباريات على نهاية الموسم. وما يزيد من أهمية هذا الإنجاز هو التوقعات السلبية للغاية التي لاقاها الفريق منذ انطلاق الموسم بعد أن تخلى عن جميع نجومه تقريباً. فقد وصل كومان إلى النادي في فترة ضائقة مالية دفعت إدارة الفريق للإستغناء عن خدمات كل من لوك شو وآدم لالانا وديجان لوفرن وريكي لامبرت وكالوم تشامبرز مقابل مبلغ إجمالي يبلغ 91 مليون جنيه. وما زاد من حجم السخرية التي تعرّض لها النادي نشر المدرب لتغريدة قال فيه "مستعدون للتدريب" مع صورة لملعب الفريق فارغ كلياً! كل ذلك جعل أكبر المتفائلين يتوقع أن تنحصر مهمة الفريق في الموسم الحالي على محاولة تجنب هبوط محتوم، دون أن ترى جماهير النادي أي وجه مشرق لحال وأحوال ساوثهامبتون في هذه الظروف الصعبة.

لم يتطلب الأمر وقتاً طويلاً حتى تهدأ مخاوف المشككين وترتفع بورصة التفاؤل. ففي نهاية أكتوبر/تشرين الأول كان ساوثهامبتون يحتل المركز الثاني خلف تشيلسي متحدياً التوقعات المفرطة في التشاؤم وبرهاناً على قدرات كومان الجبارة. وفي حديث له، قال كومان "لطالما كنت واثقاً جداً وبهدوء. كان التركيز منصباً على اللاعبين المغادرين، لكني لطالما كنت على أتمّ الإستعداد لما ينتظرنا. ورغم كل السلبية، كان أمراً في غاية الأهمية أن أنجح بنقل مشاعر الهدوء والثقة للاعبين. كان الأمر حقيقياً، فلطالما كنتُ مؤمناً أن بوسعنا خوض موسم طيب."

وأضاف قائلاً: "قد يبدو الأمر غريباً، إلا أن المباراة الحاسمة كانت تلك ربما التي خسرناها بنتيجة 2-1 في ليفربول في الجولة الإفتتاحية. أتت النتيجة ضدنا، إلا أن أداءنا في تلك الأمسية كان جيداً جداً وشكّل معياراً بالنسبة لنا. كان بوسع الجميع ملاحظة أن أموراً إيجابية تجري في الفريق. كما أن ذلك منح اللاعبين الثقة. ومن تلك اللحظة، زاد إيماننا (بقدراتنا) مباراة بعد أخرى. وإني على ثقة من قدرتنا على الإستمرار بالبناء على ذلك. أعتقد أن هناك الكثير بانتظارنا."

مع استلام كومان دفة القيادة، أصبح الجمهور والنقاد على حد سواء متفائلين بفرص ساوثهامبتون المستقبلية. وبينما تلقى المدرب الهولندي الكثير من المديح من قبل زملائه والنقاد ـ حتى أنه تم طرح اسمه لنيل لقب أفضل لاعب في إنجلترا ـ إلا أنه لم يعتبر ذلك فرصة لإبراز مساهمته الجلية بما بوصل إليه الفريق. واختار بدلاً من ذلك توجيه التحية لنادٍ تم اعتباره عند تعيين كومان أنه يقلّ مستوى عن مهارات هذا المدرب المخضرم.

وقال عن ذلك: "سألني الناس: ’لماذا ساوثهامبتون؟ لماذا لم تختر فريقاً باسم أكبر؟‘ لكني لم أنظر للأمر على الإطلاق أنه نادٍ صغير. لا أقيّم ساوثهامبتون على هذا الشكل أبداً. ما أردته هو أن أكون جزءاً من نادي لديه نظره تقدمية ويركز على تطوير اللاعبين الشبان؛ والبناء على الأساسات الموجودة. هذا ما اعتدتُ عليه واستمتعتُ به في هولندا. هناك إطار عام في هذا النادي ـ أكاديمية الفريق رائعة والمرافق مذهلة ـ إنه نادٍ جيد ويملك استراتيجية بعيدة المدى. أستمتع بأن أكون جزءاً من هذا وأشعر أنه أمر مثير بالنسبة لي كمدرب. يكتنفني شعور أن النوع من الأندية هو ما يروق لي. يتعيّن عليّ القول أيضاً إن القائمين على النادي كانوا صريحين في حديثهم معي لدى وصولي. قالوا إن طموحاتهم تتمثل بالتنافس على مركز متقدم في الدوري وإنهم سيسمحون لي باستثمار الأموال التي جناها الفريق من اللاعبين الذين قمنا ببيعهم. وقد التزموا بتعهداتهم هذه."

حصل المدرب الجديد على دعم النادي خلال فترة الإنتقالات الأخيرة، وتمكّن كومان بسرعة من ملء الثغرات في تشكيلة الفريق مع وصول بيرتراند وفريزر فورستر وفلورين جاردوس وشاين لونج وساديو ماين وكرازيانو بيلي ودوسان تاديتش. لم يؤثر قدوم اللاعبين الجديد على سلاسة أداء الفريق، بل على العكس، ظهر النادي بقوة أكبر وأفضل: "كنتُ أعرف بعض اللاعبين أصلاً من هولندا، ولذلك فإن تقديمهم لأداء طيب في موسمهم الأول لم يفاجئني. لطالما كنتُ أثق بقدرتهم على التأقلم."

شكّل التأقلم مع الدوري الممتاز تحدياً بالنسبة للمدرب نفسه، فقد وصل كومان إلى بلاد الضباب دون أية خبرة سابقة في كرة القدم الإنجليزية. وقد شملت مسيرته كلاعب احترافاً بين أسبانيا وهولندا. أما كمدرب، فقد اضطلع بمهمة ربّان سفينة أياكس وأيندهوفن وفيينورد ليصبح أول مدرب يلعب ويدرب الأندية الثلاثة الكبيرة في بلاده. هذا بالإضافة إلى فترات تدريب مع أندية إي زد ألكمار وفيتيس وفالنسيا وبنفيكا. والآن بعد 11 شهراً، كيف ينظر كومان لكرة القدم الإنجليزية؟

أجاب كومان عن ذلك قائلاً: "أستطيع القول إنه كان قريباً جداً مما توقعت، بشكل إيجابي. كل ما يُقال عن ثقافة كرة القدم هنا ـ الجو السائد في الملاعب والاحترام للاعبين ـ كل ذلك صحيح. جميع المباريات هي بمثابة معارك جسدية، ولكنها من نوعية عالية جداً. ليس الأمر سهلاً على الإطلاق. قد يتعرّض الفريق المتصدر للهزيمة على يد فريق في ذيل الترتيب، ومعظم المباريات تنافسية جداً جداً. يقرّ الجميع بأن الدوري الهولندي هو بمستوى أضعف، وحتى في أسبانيا ليس التنافس على هذا الدرجة. لا أعتقد أن رونالدو ـ رغم أنه لاعب عظيم بطبيعة الحال ـ سيسجل 40 أو 50 هدفاً في الموسم لو أنه يلعب في إنجلترا."

يمكن أيضاً تفسير الراحة التي يشعر بها كومان في إنجلترا بشخص آخر ضمّه إلى فريقه في الصيف الماضي ـ وربما يكون الشخص الأفضل بالنسبة له. فلطالما كان شقيقه الأكبر إيروين مع فرق الخصم في المسيرة الكروية لهذين الشقيقين، ولم تتقاطع هذه المسيرة إلا في الفترة الأولى مع نادي جرونينجن ومن ثم مع المنتخب الأول. لكنهما يعملان سوياً الآن بعد أن أصبح إيروين مساعداً لشقيقه الذي يصفه بأنه "ليس مجرد أخ، بل أفضل صديق لي."

عن ذلك، يقول المدرب الأول والشقيق الأصغر كومان "استمتعت بذلك بالفعل، وقد جعل هذا من الموسم أمراً مميزاً أكثر. لا يقتصر سبب وجود إيروين هنا على أنه فرد من العائلة. إنه مدرب جيد جداً يضيف أمراً مختلفاً وقيّماً على كادر التدريب. بالإضافة إلى أننا نشكل شخصيات مختلفة تتمم بعضها. نعمل سوية بشكل جيداً جداً."

وفي مطلع مسيرة هذين الشقيقين عندما كانا لا يزالان لاعبين واعدين، كان يتم النظر إلى إيروين باعتباره اسماً واعداً أكثر. ولكن رغم أنه خاض مسيرة مشرفة ومثّل بلاده في 31 مناسبة، فإن التاريخ خلّد اسم شقيقه الأصغر كأحد أعظم لاعبي جيله. حيث اشتهر بتمريراته التي يوجهها على بعد 60 ياردة وضرباته الحرة المتقنة والدقيقة، كما إنه تحدى الدور التقليدي للاعبي الدفاع وأصبح أحد أقوى الأسلحة الهجومية في فرقه. ومن المستحيل لأي شخص الآن أن يشاهد تسجيلات لمهارات كومان الإستثنائية ـ كمدافع قانص للأهداف يتحرك في أرجاء المستطيل الأخضر ـ دون أن يشكك بقدرة المستديرة الساحرة على إنجاب نجوم من أمثاله. فمن يمكن له أن يتخيل وجود مدافع حالياً يتصدر قائمة أفضل الهدافين في دوري أبطال أوروبا كما كان عليه الأمر بالنسبة إلى كومان في موسم 1993/1994؟

ويقول كومان عن ذلك: "الأمر هو أني كنتُ مدافعاً لا يضطلع تماماً بمهام الدفاع. سجلت الكثير من الأهداف لأني اعتدتُ كثيراً التقدم من موقعي الدفاعي. كما أن مدربي الفريق طلبوا مني ذلك، وكانوا يتوقعون مني القيام به. كانت الضربات الثابتة بمثابة عامل قوة أيضاً، وحتى خلال اللعب العادي، كنتُ أتخذ مراكز ـ يمكنني منها توجيه تسديدات طويلة المدى ـ لا يراها المرء كثيراً من المدافعين هذه الأيام. هل سنرى لاعبين على هذا الطراز؟ لا أعرف في حقيقة الأمر. تتطور كرة القدم بشكل مستمر، ويجب دائماً النظر إلى الصفات الفردية لدى اللاعب والإستفادة منها. لكني على العموم لا أعتقد أن هناك حالياً ضغط على المدافعين أكثر من غيرهم. تنحصر مهمة اللاعبين في هذا المركز الآن بمنع هزّ الشباك."

استفاد كومان من مدربين اكتشفوا قيمة ما يمكن له القيام به في طرفي الملعب، ومن بين أولئك أساطير في عالم التدريب مثل رينوس ميتشبلز ويوهان كرويف. وتحت إمرة الأول، ساعد كومان في وضع حد لعقم في الألقاب عانت منه هولندا برفع كأس كأس الأمم الأوروبية 1988 في ألمانيا. وإلى جانب كرويف، تحوّل كومان إلى عنصر أساسي في "فريق الأحلام" مع برشلونة إلى جانب أسماء عريقة مثل روماريو وخريستو ستويتشكوف وجوسيب جوارديولا. ولا يبدو أن لدى كومان شكّ حول أي من هذين المدربين لديه فضل أكبر في صقل موهبته. 

فقد قال في هذا الشأن ربّان سفينة ساوثهامبتون: "كلاهما مدربان رائعان، إلا أنه كان لكرويف تأثير أكبر عليّ. لعبت لسنوات عظيمة تحت إمرة رينوس ميتشبلز: سنة مع أياكس والبقية مع المنتخب الأول. إلا أن كرويف كان المدرب [الأهم] في مسيرتي. كان شخصاً أمضيت معه سنوات عظيمة ـ أفضل سنواتي. أن أكون جزءاً من فريق الأحلام في برشلونة شكّل بالتأكيد اللحظة الأهم في مشواري، وكل النجاح الذي لاقيناه، وكرة القدم التي لعبناها، يعود الفضل به إليه. إنها الطريقة الأصعب للنجاح ـ اللعب بهذا الأسلوب الجميل والهجومي ـ ولكن كرويف كان قادراً على جعل الأمر ممكناً."

إلى جانب اعتبارهما بطلين في عالم كرة القدم، أصبح ميتشبلز وكرويف رائدين في عالم التدريب في هولندا. وأتى في أعقابهما وعلى نهجهما أسماء تألقت مثل لويس فان جال وجوس هيدينك، ومؤخراً جيل جديد يضم أسماء حديثة العهد مثل فرانك دي بوير وفيليب كوكو وبالطبع كومان نفسه. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق، ما الذي يجعل أمة مكونة من 16 مليون شخص تنجب هذا الكم من المدربين الناجحين؟

أجاب كومان على ذلك بالقول: "أعتقد أن الأمر يتعلق بطبيعتنا. بوسعك نقل أي هولندي إلى أي مكان في العالم وسيحاول أن يتأقلم ويتعلّم الثقافة ويصبح ناجحاً. كما إننا جميعاً نحب اللعبة ونؤمن بنفس المبدأ الأساسي والمتمثل بلعب كرة قدم جيدة وجميلة. أعتقد أن هذا هو سبب وجود هذا الكم من المدربين الهولنديين ـ وهذا الكم من المدربين الهولنديين الناجحين ـ في العالم. إيماننا بأنفسنا كثيراً... هو أمر قد يساعد أيضا!"

مثل هذا الإيمان بالنفس هو أمر مبرر، بل وحتى واجب بالنسبة لأمثال كومان. فالثقة بالقدرات الذاتية والتواضع ليسا متناقضين ويمثلان عاملين أساسيين في ما حققه ساوثهامبتون حتى الآن وفي المستقبل.